بيان سبب رفض إيمانهم بكفرهم السابق ورجمهم بالظنون: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 444)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٤ وابن كثير (ج 6، ص 493)مصدر غير محدد٦/٤٩٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن الله تعالى يبين علة بطلان إيمانهم المتأخر وكذب دعواهم؛ فهم قد أتيحت لهم الفرصة التامة في دار الدنيا فعاشوا أعماراً يتذكر فيها من تذكر، ولكنهم كفروا بالحق وبمحمد ﷺ وبالقرآن والبعث من قبل هذا اليوم، وكانوا في الدنيا يرمون بالظنون الكاذبة والأقاويل الباطلة من غير علم ولا هدى؛ فيقولون تارة: "هو ساحر"، وتارة: "هو كاذب"، وتارة: "هو مجنون"، وتارة: "لا جنة ولا نار ولا بعث"؛ فكان كلامهم رجماً بالظن الأعمى كمن يرمي سهماً من مكان بعيد لا يبصر هدفه ولا يدري أين يقع؛ فكيف يُقبل منهم اليوم إيمان بعد ذلك التاريخ الطويل من الكفر والافتراء؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مِن قَبْلُ}: في دار الدنيا دار الإمهال والعمل.
{يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ}: يرجمون بالظن والتخمين الباطل في شأن الغيب الذي لا يعلمونه؛ من القذف وهو الرمي بالحجارة.
{مَّكَانٍ بَعِيدٍ}: البعد هنا معنوي ومادي؛ أي بعيدون عن العلم والبصيرة، فكلامهم مجرد رجم في عماية وتيه.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَقَدْ}: الواو حالية أو عاطفة، قد حرف تحقيق.
{كَفَرُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل.
{بِهِ}: متعلقان بـ (كفروا).
{مِن قَبْلُ}: جار ومجرور مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى متعلقان بـ (كفروا).
{بِالْغَيْبِ}: الباء للملابسة؛ أي يرمون بالأقوال المتلبسة بالغيب بلا علم، متعلقان بـ (يقذفون).
{مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}: جار ومجرور ونعت متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي راميناً من مكان بعيد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة الحجة التاريخية والسلوكية على المكذبين: واصل النظم القرآني تعرية موقفهم ودحض دعواهم؛ فبين التناقض الصارخ بين ماضيهم وحاضرهم؛ ففي الماضي حين كانت الحجج قائمة بين أيديهم كفروا ورجموا بالظنون العشوائية، واليوم حين فات الأوان يدعون الإيمان؛ وهذا قمة الإفلاس والجهل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اتباع الظنون في مسائل العقيدة المصيرية:
تعري الآية منهج الشك والرجم بالغيب؛ فالكفار والملاحدة يبنون مواقفهم الكبرى من الدين والآخرة على مجرد تخرصات وظنون لا تستند إلى برهان علمي ولا تجريبي: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ}؛ والرجم بالغيب من مكان بعيد حماقة عقلية لا تليق بالعقلاء في أخطر قضايا الوجود.
الاستعارة التمثيلية الرائعة في (يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ): شبه أقوالهم الباطلة في النبوة والبعث بحال رجل يقف في ليل أظلم في مكان سحيق ويرمي بحجارة نحو هدف بعيد لا يراه؛ فهل يصيب هدفه؟! كذلك أقوالهم في الحق تخبط أعمى ورجم بالظنون.
المشاكلة اللفظية في تكرار (مكان بعيد): تكررت في الآية السابقة (التناوش من مكان بعيد)، وهنا (يقذفون من مكان بعيد)؛ لربط علة الاستحالة اليوم بسفه الماضي وتيهه.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من عاش عمره يقذف بالظنون والشبهات دون بحث صادق عن الحق، مات على الشك وحيل بينه وبين النجاة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
التوجيه الدعوي والتربوي:
التحذير من القول على الله بلا علم والخوض في شؤون الغيب بالهوى والتخمين؛ فالأصل في الغيبيات التسليم للوحي المعصوم.
كشف زيف الخطابات الفلسفية والإلحادية التي تزعم نفي البعث دون دليل قطعي.