تقرير العدل الإلهي في عقاب الكافرين: يروي الطبري (ج 20، ص 385)مصدر غير محدد٢٠/٣٨٥ وابن كثير (ج 6، ص 469)مصدر غير محدد٦/٤٦٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري، أن الله تعالى يبين في هذه الآية أن ما حل بأهل سبأ من الدمار وتبديل النعم بالبؤس ليس ظلماً منه لهم، بل هو الجزاء العادل على كفرهم بآياته وجحودهم لنعمه وتكذيبهم لرسله؛ فالله لا يعاقب هذا العقاب المستأصل الماحق الشديد إلا الكفور البالغ أقصى درجات الجحود والعناد.
معنى (وهل نجازي إلا الكفور): يوضح القرطبي (ج 14، ص 291)مصدر غير محدد١٤/٢٩١ والسعدي (ص 677)مصدر غير محدد٦٧٧ أن الجزاء هنا هو المناقشة والحساب الدقيق بالعقوبة واستيفاء الحق؛ فالمؤمن يجازيه الله برحمته ويعفو عن كثير ويكفر سيئاته ويضاعف حسناته، أما الكفور فيناقش الحساب ويجازى بعدل الله بكل كفره وعناده فيهلك ويخزى.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، أبو عمرو، ابن عامر): {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} بنون العظمة مضمومة وكسر الزاي، ونصب {الْكَفُورَ} على أنه مفعول به.
وقرأ حمزة والكسائي: {وَهَلْ يُجَازَىٰ إِلَّا الْكَفُورُ} بياء مضمومة وفتح الزاي مبنياً للمجهول، ورفع {الْكَفُورُ} على أنه نائب فاعل.
وكلتا القراءتين متواترتان تدلان على كمال الحكمة في معاقبة البالغ في الكفر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{جَزَيْنَاهُم}: الجزاء مقابلة الفعل بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
{الْكَفُورَ}: صيغة مبالغة من كفر، وهو الشديد الجحود البالغ الغاية في كفران النعم وتكذيب الحق.
الإعراب والتركيب النحوي:
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ مقدم لـ (جزيناهم)، أو في محل رفع مبتدأ خبره جملة (جزيناهم).
{جَزَيْنَاهُم}: جزى فعل ماضٍ مبني على السكون ونا فاعل، والهاء مفعول به أول.
{بِمَا كَفَرُوا}: الباء سببية، ما مصدرية، كفروا فعل ماضٍ وفاعله، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ (جزيناهم)؛ أي بسبب كفرهم.
{وَهَلْ}: الواو استئنافية، هل حرف استفهام يراد به النفي المحض؛ أي: ما نجازي.
{الْكَفُورَ}: مفعول به منصوب بالفتحة (على قراءة النون)، أو نائب فاعل مرفوع بالضمة (على قراءة البناء للمجهول: يُجازى إلا الكفورُ).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان القاعدة الكلية لسنن الجزاء والعدالة الإلهية: جاءت هذه الآية تعقيباً وتذييلاً كلياً على مأساة سبأ؛ لتنقل الحدث من إطاره التاريخي الخاص بقوم مأرب إلى قاعدة سننية عامة تسري على جميع الأمم والبشر إلى قيام الساعة؛ فلا يحل مثل هذا التدمير والتبديل إلا بكل كفور متمرد على ربه.
الربط بين السبب والمسبب: نصت الآية بوضوح على علة البلاء {بِمَا كَفَرُوا}؛ لقطع كل توهم بأن ما أصابهم كان مجرد صدفة جغرافية أو انهيار طبيعي عشوائي؛ بل هو قدر إلهي مقصود وجزاء عادل مترتب على الجريمة العقدية والأخلاقية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفرق بين جزاء المؤمن وجزاء الكافر:
قد يسأل متسائل: إذا كان الله يقول: {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}، أليس المؤمن يجازى أيضاً بعمله؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الجزاء هنا معناه المناقشة والاستقصاء في العقوبة: يطلق لفظ (المجازاة) في لغة العرب ويراد به المكافأة على السيئة بالعدل والقصاص التام؛ كما قال النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» (صحيح البخاري، رقم 103)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ١٠٣؛ فالمؤمن لا يناقش مناقشة استقصاء بل يعرض عليه عمله ويغفر له برحمة الله، أما الكفور فيعامل بعدل الله التام ومجازاة الإحصاء فيهلك.
الحصر بالنفي والاستثناء: التعبير بـ {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} أسلوب قصر يؤكد أن مثل هذا العذاب المستأصل والنكال العظيم لا يقع على أهل الخطايا العادية من المؤمنين، بل يختص بالجاحد المعاند الكفور.
أسلوب القصر والاستفهام الإنكاري المتضمن للنفي: {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}؛ وهو أبلغ من مجرد النفي؛ لإفادة أن هذا الحكم قطعي مجمع عليه في عدالة الله.
استعمال صيغة المبالغة (الكَفُور): ولم يقل الكافر؛ للدلالة على أن العقاب المستأصل لا ينزل إلا بمن تناهى في الكفر واستعلى على الحق واستمرأ الجحود.
الإشارة بالبعيد (ذلك): لتهويل ذلك الجزاء المروع واستحضار فظاعته في أذهان السامعين.
اللطائف التدبرية والإشارية:
رحمة الله تسبق غضبه؛ فالله لا يعاجل بالعقوبة إلا من تمرد وأصر واستكبر؛ وما أصاب العباد من نقمة فمن كسب أيديهم ويعفو عن كثير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
غرس اليقين بعدل الله المطلق؛ فالله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
تنبيه المؤمنين إلى أن السلامة من عذاب الله إنما تكون بتوحيده وتجنب كل صور الكفران والجحود.
العمل والوجدان الإيماني:
الفزع إلى رحمة الله ورجاء عفوه؛ فلو عاملنا الله بعدله المجرد لهلكنا، ولكن الرجاء في فضله ومغفرته.
ترويض اللسان على شكر المنعم والاعتراف بالفضل لمن أسدى إليك معروفاً؛ فالكفران صفة مذمومة في الدين والعقل.