التحذير بمصائر الأمم السابقة ومقارنة القوى: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 431)جامع البيانالطبري٢٠/٤٣١ وابن كثير (ج 6، ص 488)مصدر غير محدد٦/٤٨٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن الله تعالى يحذر كفار مكة بمصائر الأمم العاتية السابقة كعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وأصحاب الأيكة؛ فبين أن أولئك كذبوا رسلهم، وكانوا أعظم قوة وأكثر أموالاً وأطول أعماراً وأضخم أجساماً وأوسع حضارة؛ وما بلغ كفار قريش (معشار) أي عُشْرَ ما آتى الله تلك الأمم من القوة والبطش والتمكين المادي؛ فلما كذبوا الرسل لم تغن عنهم قوتهم ولا حضارتهم من عذاب الله شيئاً بل أهلكهم الله ودمرهم؛ فكيف كان نكيري؟! أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والانتقام وتبديل النعمة بالدمار؟! لقد كان أمراً فظيعاً هائلاً فليحذر هؤلاء الضعفاء أن يصيبهم ما أصاب أولئك الأقوياء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مِعْشَارَ}: مفعال من العُشْر، وهو عُشْر العُشْر (أي واحد من مائة)، أو العُشْر؛ والمراد الجزء الضئيل اليسير جداً من القوة والمال.
{وَكَذَّبَ}: الواو استئنافية، كذب فعل ماضٍ مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ (كذب).
{مِن قَبْلِهِمْ}: متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
{وَمَا}: الواو حالية، ما نافية.
{بَلَغُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من ضمير (قبلهم) أو من كفار مكة.
{مِعْشَارَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
{آتَيْنَاهُمْ}: فعل ماضٍ ونا فاعل والهاء مفعول به أول، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فَكَذَّبُوا}: الفاء عاطفة مفرعة، كذبوا فعل وفاعل.
{رُسُلِي}: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة، والياء مضاف إليه.
{فَكَيْفَ}: الفاء عاطفة للتهويل، كيف اسم استفهام مبني في محل نصب خبر كان مقدم.
{كَانَ}: فعل ماضٍ ناقص.
{نَكِيرِ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمراعاة الفاصلة، والياء المحذوفة مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
محاصرة الغرور البشري بحقائق التاريخ والحضارات: جاءت الآية بمثابة ميزان مقارن حاسم؛ فلما افتخرت قريش بأموالها وأولادها وقالت {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا}؛ ذكرهم القرآن بأنهم أقزام وضعفاء مقارنة بعمالقة التاريخ البائد كعاد الذين جابوا الصخر وثمود الذين بنوا في الجبال؛ فإذا كان أولئك العمالقة قد هلكوا في طرفة عين ولم يغن عنهم معشار ما أوتوا، فكيف يطمع هؤلاء الضعفاء في النجاة؟!
الاستفهام التهويلي في الختام (فكيف كان نكير): إلقاء للرعب والمهابة في القلوب؛ لأن الجواب المستقر في النفوس: لقد كان عذاباً ساحقاً لا يوصف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اتكال الحضارات المادية على تفوقها التقني والعسكري:
تحذر الآية الحضارات الإنسانية المعاصرة في كل زمان من الغرور بالقوة المادية والعسكرية؛ فمهما بلغت الأمة من التقدم والعتاد، فإنها تظل أضعف من عاد وثمود أمام أمر الله؛ فإذا كفرت بآيات ربها وظلمت، نزل بها النكير الإلهي من حيث لا تحتسب.