مشهد الحيلولة التامة والحسرة الأبدية وسنة الهلاك في أهل الشك: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 446)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٦ وابن كثير (ج 6، ص 493)مصدر غير محدد٦/٤٩٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والحسن، أن هذه الآية هي قفل السورة ومسك ختامها المهيب الذي تنخلع له القلوب؛ حيث يقع القضاء النافذ: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}؛ أي وُضع حاجب وحجاب فاصل قاطع بين هؤلاء الكفار وبين ما تشتهيه أنفسهم وتتطلع إليه؛ حيل بينهم وبين التوبة والإيمان والرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحاً، وحيل بينهم وبين أموالهم وأولادهم وجناتهم ولذائذهم التي افتخروا بها، وحيل بينهم وبين النجاة من النار ودخول الجنة؛ ووقع بهم هذا الحرمان الأبدي كما فُعل بأشباههم ونظرائهم من كفار الأمم السابقة المكذبة حين نزل بهم بأس الله؛ والعلة الكبرى لكل هذا الخسران والحيلولة: {إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ}؛ أي كانوا في الدنيا في ريب وشك مقلق أورثهم التردد والعناد وأفسد عليهم عقولهم وقلوبهم حتى فاجأهم الموت وهم على كفرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{حِيلَ}: الحيلولة هي الفصل والحجز بين الشيئين بمانع لا يمكن تجاوزه، من حال يحول حولاً وحيلولة.
{مَا يَشْتَهُونَ}: ما تميل إليه نفوسهم وتتمناه من الرجوع إلى الدنيا، والتوبة، والأمن، والنجاة من النار، والتمتع بالنعيم.
{بِأَشْيَاعِهِم}: جمع شِيعة، وهم النظراء والأشباه والأتباع على المذهب والطريقة من الأمم الخالية.
{شَكٍّ}: تردد واضطراب في الاعتقاد ينفي اليقين.
{مُّرِيبٍ}: اسم فاعل من أراب، وهو الشك الذي يورث الريبة والقلق وفساد القلب والتهمة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَحِيلَ}: الواو استئنافية عاطفة، حيل فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو الجار والمجرور (بينهم) أو ضمير المصدر (أي حيل الحولُ).
{بَيْنَهُمْ}: ظرف مكان مبني في محل رفع نائب فاعل أو متعلق بـ (حيل)، والهاء مضاف إليه.
{وَبَيْنَ}: عطف على بين الأولى.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
{يَشْتَهُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{كَمَا}: الكاف حرف جر وتشبيه، ما مصدرية، أي كفعلٍ بأشياعهم.
{فُعِلَ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر أو المصدر المؤول.
{بِأَشْيَاعِهِم}: متعلقان بـ (فعل).
{مِّن قَبْلُ}: متعلقان بمحذوف حال، وقبل مبني على الضم في محل جر.
{إِنَّهُمْ}: إن حرف توكيد ونصب، وهم اسمها.
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص والواو اسمها.
{فِي شَكٍّ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان.
{مُّرِيبٍ}: نعت لـ (شك) مجرور بالكسرة، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن، وجملة إن تعليلية للحيلولة والعذاب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع وحسن الختام المعجز لسورة سبأ: ختمت السورة بهذا المشهد التراجيدي الرهيب الذي تتجمد عنده الحركات؛ فقد بدأت السورة بالحمد المطلق لمالك السماوات والأرض في الأولى والآخرة وعالم الغيب الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، وجالت في ملك داود وسليمان وشكرهما، ومأساة سبأ وبطرهم وتفرقهم، ودحض الشرك الأكبر؛ لتصل في الآية الأخيرة إلى اللحظة الكونية الفاصلة: قيام الحجاب بين الكافر وما يشتهي، ووقوع الحيلولة الأبدية؛ فكان ختاماً يملأ القلب هيبة ووجلاً ويدفع العبد إلى التشبث باليقين والفرار إلى الله قبل قيام الحيلولة.
الارتباط التام بين بداية السورة وختامها:
في الآية 3: أنكروا الساعة وقالوا {لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ}.
وفي الآية 54: قامت الساعة وأُخذوا {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}، وعلل ذلك بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ}؛ فكان الختام منطبقاً تمام الانطباق على مطلع السورة ومحاورها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خطورة الشك والريبة في أصول الإيمان:
تبين الآية أن العلة التي أوردتهم هذا المورد المهلك ليست مجرد المعصية العملية، بل هي (الشك المريب) في الآخرة والتوحيد والنبوة؛ فالشك إذا استقر في النفس أفسد الإرادة وأقعد الجوارح عن الاستعداد، حتى تأتي الحيلولة فجأة فيبقى الشاك في حسرته الدائمة.
البناء للمجهول في (حيل / فُعل): للإشعار بعظمة القوة القابضة القاهرة التي لا راد لقضائها؛ فالقادر على الحيلولة هو الله الجبار الذي لا يعجزه شيء.
العموم والاستغراق في الموصول (ما يشتهون): ليشمل كل رغبة وكل أمل؛ حيل بينهم وبين التوبة، وحيل بينهم وبين لذائذهم، وحيل بينهم وبين النجاة؛ فهو حرمان مطلق مستقصى.
الوصف بالمشتق (مريب): نعت سببي يوضح طبيعة الشك بأنه شك مريض يورث الريبة والاضطراب النفسي.
اللطائف التدبرية والإشارية:
ما دمت تتنفس في هذه الحياة فأنت لم يُحل بينك وبين ما تشتهي من التوبة ومغفرة الله؛ فتب إلى ربك اليوم قبل أن ينزل بك هادم اللذات ويحال بينك وبين سجودك وتوبتك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تحذير الناس من خطورة الشكوك والشبهات على العقيدة؛ فالشك مفسد للعمل مهلك للروح.
ترسيخ اليقين باليوم الآخر والاستعداد الدائم له بالأعمال الصالحة.
العمل والوجدان الإيماني:
السجود لله شكراً على نعمة الحياة والمهلة، وتجديد التوبة والاستغفار في كل آن.