إعلان انتصار الحق وهلاك الباطل وعجزه التام: يروي البخاري في صحيحه (رقم 2478، 4720) ومسلم (رقم 1787)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٨٧ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً (صنماً)، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: «{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}، {جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}». ويبين الطبري (ج 20، ص 437)مصدر غير محدد٢٠/٤٣٧ وابن كثير (ج 6، ص 490)مصدر غير محدد٦/٤٩٠ أن الآية تعلن الحكم النهائي بانتصار الإسلام والقرآن (الحق)، واضمحلال الشرك والأصنام (الباطل)؛ فلم يعد للباطل بعد ظهور نور التوحيد قدرة على أن يبدئ شيئاً من الخلق أو النفع ولا أن يعيده؛ بل صار عاجزاً ميتاً مضمحلاً لا حراك له ولا بقاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا يُعِيدُ}: عطف على ما قبله، وفاعله مستتر ومفعوله محذوف؛ أي ولا يعيد شيئاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان النصر الحاسم على الوثنية والشرك: تتصل هذه الآية بآية {يقذف بالحق} اتصال النتيجة بالسبب؛ فلما قذف الله بحقه، جاء الحق واستقر وساد، وزال الباطل وانهارت الأصنام وخرت على وجوهها؛ ليعلم المشركون أن معركتهم مع الوحي خاسرة وأن أصنامهم عاجزة عن الابتداء والإعادة؛ لأن الخالق المبدئ المعيد هو الله وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة بقاء بعض مظاهر الباطل في العالم:
قد يسأل متسائل: إذا كان الحق قد جاء والباطل لا يبدئ ولا يعيد، فلم نرى الباطل موجوداً في بقاع كثيرة؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
سقوط الباطل من الناحية البرهانية والعقدية: الباطل انكسر شوكته وسقطت حججه من أساسها بمجيء القرآن؛ فما عاد يقوى على الوقوف أمام سلطان البرهان، وإنما بقاؤه بقاء ظاهري مؤقت بسبب غفلة بعض أهل الحق أو تخلفهم عن حمل الرسالة.
سنة المدافعة المستمرة: جاء الحق ليعمل المؤمنون به ويدافعوا به الباطل، فمتى قام أهل الحق بواجبهم زهق الباطل وتبدد كالهباء؛ فالباطل في ذاته لا حياة فيه ولا إبداء ولا إعادة.
الاستعارة التمثيلية والكناية البليغة في (ما يبدئ وما يعيد): كناية عن الشلل التام والموت المعنوي والعجز المطلق عن الفعل والتأثير؛ وهي من جوامع الكلم في لغة العرب.
المقابلة التامة بين (الحق) و(الباطل): لبيان التدافع الفاصل بين المعسكرين وأنه لا التقاء بينهما.
اللطائف التدبرية والإشارية:
مشهد النبي ﷺ وهو يطعن الأصنام يوم فتح مكة وهو يقرأ هذه الآية، يعلمنا أن هدم أوثان الشبهات والشهوات في النفوس يسبق هدم أصنام الحجر في الواقع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
بث روح الأمل واليقين في نفوس الأمة بأن الباطل مهزوم حتماً وأن الحق هو الغالب المنصور.
الجهر بالحق وعدم الوجل من انتفاش قوى الشر؛ فالباطل لا يملك مقومات البقاء الذاتي.
العمل والوجدان الإيماني:
تطهير القلب من كل تعلق بباطل لا يبدئ ولا يعيد، وتجريد التوحيد للمبدئ المعيد سبحانه.