هضم النفس وتجريد فضل الهداية لله وحده: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 438)جامع البيانالطبري٢٠/٤٣٨ وابن كثير (ج 6، ص 491)مصدر غير محدد٦/٤٩١ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن الله تعالى يأمر رسوله ﷺ أن يبلغ الغاية في التواضع وهضم النفس وإسناد الفضل كله لله، فيقول للمشركين: إن ضللتُ فرضاً وتقديراً وجدلاً، فإنما وبال ضلالي وعقابه يرجع على نفسي وحدي ولا تتحملون أنتم منه شيئاً؛ وإن اهتديتُ إلى الصراط المستقيم والحق الناصع فليس ذلك بذكائي ولا قوتي ولا حيلتي، بل هو بمحض فضل ربي ورحمته بما يوحيه إلي من القرآن والهدى؛ إن ربي سميع لأقوال عباده ودعائهم، قريب منهم بعلمه وإحاطته ولطفه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{ضَلَلْتُ}: حِدتُ عن الحق والصواب (على سبيل الفرض الجدلي).
{سَمِيعٌ قَرِيبٌ}: سامع لكل قول ودعاء، قريب بالإجابة والعلم والمعية.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر فاعله مستتر.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{ضَلَلْتُ}: فعل ماضٍ مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
{فَإِنَّمَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إنما كافة ومكفوفة تفيد الحصر.
{أَضِلُّ}: فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنا.
{عَلَىٰ نَفْسِي}: متعلقان بـ (أضل)، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{وَإِنِ}: عاطفة وشرطية.
{اهْتَدَيْتُ}: فعل الشرط وفاعله مبني في محل جزم.
{فَبِمَا}: الفاء رابطة، الباء حرف جر للسببية، ما مصدرية أو موصولة.
{يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي}: فعل مضارع وإلي متعلقان به، وربي فاعل مرفوع بالضمة المقدرة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فهدايتي كائنة بما يوحي إلي ربي).
{إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ}: إن واسمها وخبرها الأول والثاني مرفوعان بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال الأدب النبوي في نسبة النقص للنفس والفضل لله: هذا النظم القرآني المعجز يقرر أدباً عقدياً سامقاً؛ ففي جانب الضلال المفترض أسنده إلى نفسه بـ (على نفسي) دلالة على الجناية والتبعة الذاتية؛ وفي جانب الهداية لم يقل (فإنما اهتديت بنفسي أو بعقلي) بل أسند الهداية فوراً إلى سببها الوحيد وهو فضل الله ووحيه: {فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي}؛ وهو نظير قوله تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}.
التذييل بـ (سميع قريب): خاتمة تؤنس القلوب؛ فالرب الذي يوحي ويهدي سميع لكل دعوة وتضرع، قريب من كل عابد ومنيب، يسمع نجواك ويقربك من هداه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل كان النبي ﷺ معرضاً للضلال:
قد يظن جاهل أن قوله {إِن ضَلَلْتُ} يثبت إمكان ضلال النبي المعصوم!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الشرط لا يقتضي الوقوع: أسلوب الشرط بـ (إن) يستعمل في لغة العرب لفرض المستحيل أو المحال لغرض الإلزام الجدلي ومجاراة الخصم؛ كما قال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}؛ والرسول معصوم قطعاً من الضلال في البلاغ والرسالة.
هضم النفس لقطع أطماع الخصوم: أراد النبي ﷺ أن يقطع كل حجة للمشركين، فبين أنه بشر يجري عليه التكليف ولا يدعي لنفسه كبرياءً، وإنما شرفه وفضله مستمد من الوحي المعصوم الذي أنزله السميع القريب.