بطر النعمة وطلب المشقة وتفرق سبأ: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 389)جامع البيانالطبري٢٠/٣٨٩ وابن كثير (ج 6، ص 471)مصدر غير محدد٦/٤٧١ عن ابن عباس ومجاهد والحسن، أن أهل سبأ لما أبطرتهم النعمة ورغد العيش، ملوا الراحة والعافية وتوفر الزاد والأمن وقرب القرى، واستكبر أغنياؤهم وتجارهم كراهية أن يتساوى الغني والفقير في سهولة السفر وراحة الطريق، فقالوا بجهلهم وبطرهم: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}؛ أي اجعل بين بلادنا وبين الشام فلوات ومفاوز وقفاراً نحتاج فيها إلى حمل الزاد والمزاد، وركوب الرواحل، ليتمايز الغني ذو الإبل والزاد عن الفقير الذي يمشي راجلاً؛ فظلموا أنفسهم بالكفر والبطر واستجلاب النقمة؛ فاستجاب الله دعاءهم على أنفسهم فأخرب قراهم، وسلط عليهم سيل العرم، وجعلهم عبرة وأحاديث يتناقلها الناس في مجالس السمر تعجباً من هلاكهم، ومزقهم في أقطار الأرض وتفرقوا في قبائل العرب تفرقاً ضربت به العرب الأمثال فقالت: «تَفَرَّقُوا أَيَادِيَ سَبَأٍ»، فنزلت الأزد بعمان والمدينة، ونزلت خزاعة بتهامة، وغسان بالشام، والأشعرين باليمن؛ وإن في ذلك التدمير والتفريق لدلائل باهرة لكل عبد متصف بالصبر على البلاء والشكر على النعماء.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور: {بَاعِدْ} بصيغة فعل الدعاء والطلب من المباعدة (بألف بعد الباء وكسر العين وجزم الدال).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر: {بَعِّدْ} بصيغة التضعيف والتشديد للدلالة على المبالغة في التبعيد، مع الجزم على الدعاء.
وقرأ يعقوب الحضرمي: {رَبُّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} برفع الباء في (ربُّنا) مبتدأ، و(باعَدَ) فعلاً ماضياً مفتوح الدال خبراً؛ أي شكوا من بعد الأسفار بعد نزول العذاب وتبدل الحال!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{بَاعِدْ}: اجعل بينها مسافة شاسعة ومفاوز منقطعة.
{أَحَادِيثَ}: جمع أُحدوثة، وهي القصة العجيبة التي يتحدث بها الناس ويتسامرون بها للتعجب والاتعاظ بعد فناء أصحابها.
{مَزَّقْنَاهُمْ}: فرقنا شملهم وشتتنا جمعهم في كل صقع وناحية كما يمزق الثوب البالي.
{صَبَّارٍ}: صيغة مبالغة تدل على عظيم الصبر ورسوخه في المحن والشدائد.
{شَكُورٍ}: صيغة مبالغة تدل على مداومة الشكر وشهود النعمة في السراء.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَقَالُوا}: الفاء عاطفة، قالوا فعل ماضٍ والواو فاعل.
{بَاعِدْ}: فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{بَيْنَ أَسْفَارِنَا}: بين ظرف مكان متعلق بـ (باعد)، أسفارنا مضاف إليه ومجرور ومضاف.
{وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ}: الواو حالية أو عاطفة، ظلموا فعل وفاعل، وأنفسهم مفعول به منصوب.
{فَجَعَلْنَاهُمْ}: الفاء سببية عاطفة، جعلناهم فعل ماضٍ ونا فاعل والهاء مفعول به أول.
{أَحَادِيثَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة غير منون لمنعه من الصرف على صيغة منتهى الجموع.
{وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}: الواو عاطفة، مزقناهم فعل وفاعل ومفعول، كل نائب مفعول مطلق منصوب، وممزق مضاف إليه مجرور.
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ}: إن حرف توكيد، في ذلك خبر إن مقدم، اللام المزحلقة، آيات اسم إن مؤخر منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}: جار ومجرور نعت لـ (آيات)، صبار مضاف إليه مجرور، شكور نعت لـ (صبار) مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير الانحدار من قمة العافية إلى هاوية البطر: قارنت الآية بين المشهد السابق الذي نادوا فيه بالنعمة {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ}، وبين هذا المشهد المعكوس الشاذ الذي تمنوا فيه زوال العافية وطلبوا المشقة {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}؛ ليظهر النظم مدى التناقض النفسي الذي يصيب المجتمعات المترفة حين تستحوذ عليها الأنانية الطبقية وتمل الراحة.
الاقتران بين وصفي (صبّار شكور): ختمت الآية بهذين الوصفين الجليلين؛ لأن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر؛ فالعبد يحتاج إلى الصبر عند فوات النعمة وحلول البلاء لئلا يجزع، وإلى الشكر عند بقاء النعمة وتدفق الرخاء لئلا يبطر كأهل سبأ؛ فمن جمع بين الصبر والشكر انتفع بآيات القرآن كلها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يطلب العاقل المشقة وزوال النعمة:
قد يستغرب باحث: كيف يطلب قوم عاقلون تباعد أسفارهم ومحو أمنهم؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الأنانية الطبقية وحب الاستئثار: كان التجار الكبار يرون أن تقارب القرى وتيسير السفر يمكن الفقراء وعامة الناس من التجارة ونقل البضائع بيسر، فأرادوا مفاوز شاقة لا يقوى على قطعها إلا أصحاب القوافل الضخمة والزاد الوفير ليحتكروا التجارة والأرباح؛ فغلبهم الجشع على عقولهم فطلبوا ما فيه هلاك الجميع.
بطر النعمة والملل من العافية المستقرة: طبيعة الإنسان الجاهل حين تطول عليه النعمة يمل السهولة ويبحث عن التمايز والمفاخرة بركوب المخاطر، كما طلب بنو إسرائيل البصل والقثاء والعدس واستبدلوه بالمن والسلوى؛ فكان طلباً سفيهاً قاد إلى الخراب.
التعبير بـ (فجعلناهم أحاديث): مجاز بليغ صور اندثارهم الكامل؛ حتى كأن ذواتهم وأموالهم وجناتهم لم يبق منها جرم في الوجود، بل تحولوا إلى مجرد كلام وقصص يتسامر بها السمار.
الإتيان بالمصدر الميمي (كل ممزق): لإفادة التشتيت المطلق والتفريق التام في كل واد وصقع.
صيغتا المبالغة (صبّار شكور): لم يقل صابر شاكر، بل صبّار شكور؛ للتنبيه على أن إدراك سنن الله يتطلب نفساً متمرسة في مجاهدة الصبر والشكر في تقلبات الأيام.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الحذر من الملل من نعم الله المستقرة؛ فكم من عبد في عافية يتململ منها ويطلب تغييراً لا يدري أن فيه هلاكه وزوال نعمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
محاربة نزعة الجشع والاحتكار والأثرة الطبقية في المجتمع؛ فالعدالة في تيسير المرافق العامة والخدمات للغني والفقير من أسباب بقاء الدول.
تربية القلوب على مقامي الصبر والشكر؛ فهما جناحا النجاة في معترك الحياة الدنيا.
العمل والوجدان الإيماني:
الرضا التام بما قسم الله من عافية وستر، وسؤال الله دوام النعمة وحسن الشكر.
الاعتبار بمصائر الأمم البائدة حين نمر على ديارهم وآثارهم.