الرد الحاسم ببيان دقة الميعاد المحتوم: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 409)جامع البيانالطبري٢٠/٤٠٩ وابن كثير (ج 6، ص 480)مصدر غير محدد٦/٤٨٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن الله أمر نبيه ﷺ أن يجيبهم بجواب قاطع لا يحتمل التردد: إن لكم موعداً مؤجلاً مضروباً في علم الله وحكمته (وهو يوم القيامة أو يوم موتكم ونزول عذابكم)، إذا جاء ذلك اليوم وانقضى الأجل، لا تستطيعون تأخيره لحظة واحدة ولا تقديمه طرفة عين؛ فالأمر محتوم مقدر بقدر دقيق لا يتخلف ولا يتبدل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مِّيعَادُ}: مفعال من الوعد، وهو الوقت أو المكان المضروب لإنجاز الوعد واللقاء.
{لَّا تَسْتَأْخِرُونَ}: لا تتأخرون عنه ولا تمهلون بعده أدنى جزء من الزمان.
{سَاعَةً}: جزء يسير متناهٍ في القلة من أجزاء الزمان والوقت، وليست الساعة الفلكية المحددة بستين دقيقة فقط بل مطلق اللحظة.
{وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ}: ولا تقدمونه على وقته المقدر له.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُل}: فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت.
{لَّكُم}: جار ومجرور خبر مقدم.
{مِّيعَادُ يَوْمٍ}: ميعاد مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، ويوم مضاف إليه مجرور بالكسرة، والجملة مقول القول في محل نصب.
{لَّا تَسْتَأْخِرُونَ}: لا نافية، تستأخرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{عَنْهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ (تستأخرون).
{سَاعَةً}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ (تستأخرون).
{وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ}: معطوف على الفعل قبله، وجملة النفي في محل جر نعت لـ (يوم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلجام التهكم بالرهبة والانضباط القدري الصارم: لم يدخل الجواب في جدل حول تحديد تاريخ باليوم والشهر، بل نقلهم إلى الحقيقة المهيبة الحاسمة: أن الميعاد كائن لا محالة، وأن تأخيره ليس عجزاً ولا إهمالاً، بل هو لحساب محكم وأجل مسمى لا يتقدم ثانية ولا يتأخر ثانية؛ وهذا أوقع في الردع من مجرد ذكر التاريخ؛ لأن الإنسان إذا علم أن أجله محصور بالأنفاس خاف وترقب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر والقدر في الآجال المضروبة:
قد يظن ظان أن ثبوت الأجل المحتوم يلغي مسؤولية العبد أو يبرر التكاسل.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
ثبوت الأجل ثمرة لكمال العلم والتدبير الإلهي: الكون كله مبني على سنن وقوانين منضبطة بالذرة واللحظة؛ فخالق هذا النظام العجيب يعلم نهاية كل كائن وأجل كل أمة بدقة مطلقة، وثبوت الميعاد يقطع العبثية والصدفة.
الجهل بالموعد يفرض العمل الدائم: لما كان العبد لا يدري متى تنقضي ساعته وينتهي أجله، كان العقل يوجب عليه المبادرة بالطاعة والاستعداد في كل لحظة؛ لأن الموت قد يبغته دون إمهال.