التعريف بسبأ ونعمة الله الكبرى عليهم: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 380)جامع البيانالطبري٢٠/٣٨٠ وابن كثير (ج 6، ص 466)مصدر غير محدد٦/٤٦٦ والترمذي في سننه (رقم 3222)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٢٢ عن فروة بن مسيك المرادي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ، ما هو؟ أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال: «بَلْ هُوَ رَجُلٌ، وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ؛ فَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا: فَمَذْحِجُ، وَكِنْدَةُ، وَالأَزْدُ، وَالأَشْعَرِيُّونَ، وَأَنْمَارٌ، وَحِمْيَرُ؛ وَأَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا: فَلَخْمٌ، وَجُذَامُ، وَعَامِلَةُ، وَغَسَّانُ». وكان هؤلاء ملوك اليمن في مأرب، حباهم الله وادياً خصباً وبنوا سداً عظيماً بين جبلين (سد مأرب) لتجميع السيول، فصار لهم عن يمين الوادي وشماله بساتين وجنات وبساتين عظيمة متصلة بالثمار والظلال والينابيع، لا يرى فيها هامة ولا حشرة مؤذية لطيب هوائها واعتدال مناخها؛ وقيل لهم بلسان الرسل والحال: تمتعوا برزق الله واشكروه على هذه النعم؛ فاجتمع لهم طيب المكان وسلامة المعاش، ومغفرة الرب الغفور لمن شكر وأطاع.
ضبط القراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {لِسَبَإٍ} بترك الصرف مع الهمز والجر بالفتحة: {لِسَبَأَ} باعتباره اسماً للقبيلة أو الأرض.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: {لِسَبَإٍ} بالصرف والتنوين والكسر باعتباره اسماً للجد والحي.
وقرأ الجمهور: {فِي مَسْكَنِهِمْ} بفتح الكاف وإفراد المسكن، وقرأ حمزة والكسائي وحفص: {فِي مَسَاكِنِهِمْ} بالألف على الجمع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {مَسْكِنِهِمْ} بكسر الكاف مفرداً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{سَبَإٍ}: اسم علم لأبي عرب اليمن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
{مَسْكَنِهِمْ}: موضع سكناهم واستقرارهم، وهو مأرب في بلاد اليمن.
{جَنَّتَانِ}: بستانان عظيمان ممتدان من النخيل والأعناب وسائر الثمار عن يمين الوادي وعن شماله.
{بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ}: طيبة الهواء والتربة والماء، ليس فيها وباء ولا حر مهلك ولا برد مجفف.
{رَبٌّ غَفُورٌ}: متجاوز عن الذنوب، يقبل اليسير من الشكر ويفيض بالكثير من الأجر.
الإعراب والتركيب النحوي:
{لَقَدْ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{كَانَ}: فعل ماضٍ ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر.
{لِسَبَإٍ}: جار ومجرور خبر كان مقدم.
{فِي مَسْكَنِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ (كان) أو بمحذوف حال من آية.
{آيَةٌ}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{جَنَّتَانِ}: بدل من (آية) مرفوع بالألف لأنه مثنى، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي جنتان.
{عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ}: جار ومجرور نعت لـ (جنتان)، وشمال معطوف عليه مجرور.
{كُلُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول قول مقدر؛ أي قيل لهم كلوا.
{مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ (كلوا).
{وَاشْكُرُوا لَهُ}: عطف على (كلوا)، له متعلقان بـ (اشكروا).
{بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ}: مبتدأ خبره محذوف تقديره (بلدتكم بلدة طيبة)، أو خبر لمبتدأ محذوف، وطيبة نعت مرفوع.
{وَرَبٌّ غَفُورٌ}: عطف على (بلدة طيبة)، وغفور نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال إلى النموذج الحضاري المقابل في الجحود والبطر: بعد أن عرض النموذج الأول الشاكر (آل داود) الذين قابلوا المعجزات والملك بصلاة الليل والجهاد والشكر؛ انتقل مباشرة لعرض النموذج الثاني (قوم سبأ) الذين حباهم الله رغد العيش والتمكين الزراعي والبلدة الطيبة، ولكنهم سرعان ما أصابهم داء الترف والكفران، لبيان سنة الله الجارية في الأمم؛ فالنعمة بالشكر تدوم وبالكفران تبيد.
جمع أصول النعيم البشري في أربع كلمات: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}؛ وهذا من أعجب إيجاز القرآن وأكمله؛ فنعيم الإنسان في الدنيا يقوم على بيئة طيبة صالحة للعيش والأمن ورغد الرزق {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ}، ونعيمه في الآخرة وأمنه الروحي يقوم على مغفرة ربه ورضوانه {وَرَبٌّ غَفُورٌ}؛ فاجتمع لهم خير الدارين لو ثبتوا على الإيمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف تكون الجنتان آية وهي بساتين طبيعية يصنعها البشر بالزراعة:
قد يقول قائل: ما الإعجاز في وجود بساتين وجنات يملكها الناس في كثير من أقطار الأرض؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
كمال التهيئة والوفرة الإلهية الخارقة: لم تكن مجرد بساتين عادية، بل كانت تصميماً هندسياً وبيئياً فذاً اجتمعت فيه وفرة المياه من السد المحكم، وخصوبة التربة، واعتدال الهواء، حتى كان الراكب يسير في ظلال ممتدة لا تنقطع، وتتساقط الثمار في مكتله دون عناء جني لكثرتها ونضجها.
استحقاق المنعم بالحمد لا التعلق بالأسباب: الآية تكمن في أن هذه النعم كلها كانت برهاناً ساطعاً على توحيد الله وفضله ورزقه؛ فالعاقل ينظر من خلال النعمة إلى المنعم، ويستدل بجمال الجنات على سعة قدرة فاطر الأرض والسماوات.
التنكير في (آية): للتعظيم والتهويل لعظمة تلك النعمة الدالة على قدرة الله وفضله.
الإيجاز بالحذف البديع في (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ): حذفت المبتدآت لإبراز الخبر؛ كأنه قيل: هذه غاية المنى وصفوة النعم.
المقابلة الهادئة بين الرزق والمغفرة: قدم الرزق {كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ}، وقرنه بطلب الشكر، ثم أتبعه بوصف الرب بالمغفرة؛ ليدل على أن العبد مهما اجتهد في الشكر فلن يوفي حق النعمة، فكان أحوج ما يكون إلى مغفرة الرب الرحيم لستر تقصيره.
اللطائف التدبرية والإشارية:
قيد النعم بالشكر: النعمة إذا شُكرت قرّت، وإذا كُفرت فرّت؛ والشكر هو الحافظ للنعم الموجودة والجالب للنعم المفقودة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تذكير الشعوب والأمم بأن الأمن والاستقرار ورغد العيش ليست حقوقاً أبدية مجردة، بل هي منح إلهية مشروطة بالإيمان والاستقامة؛ فإذا شاع الفساد وكفرت النعم حلت النقم.
الحث على إعمار الأرض بالزراعة والتنمية واستثمار الموارد النافعة في ظل طاعة الله.
العمل والوجدان الإيماني:
المداومة على شكر الله على نعمة الطعام والشراب والوطن الآمن؛ كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (صحيح مسلم، رقم 2734)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٧٣٤.
الاستغفار الدائم من التقصير في حق نعم الله التي لا تعد ولا تحصى.