بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 521)جامع البيانالطبري٢١/٥٢١ أن هذا ختام سورة فصلت الفاصل؛ فالمعنى: ألا فليعلم السامعون أن هؤلاء المشركين المكذبين في شك وريبة شديدة، وتردد قلق من البعث والنشور ولقاء ربهم للحساب والجزاء؛ فلذلك اجترؤوا على المعاصي وألحدوا في آيات الله واستكبروا عن الإيمان، {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}: ألا إن الله تعالى محيط بجميع مخلوقاته علماً وقدرة وقهراً وسلطاناً، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا يفوته هارب، وسيجازيهم على شكهم وكفرهم بأعدل الجزاء.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 187)مصدر غير محدد٧/١٨٧ الآية بأن علة كفرهم وعنادهم هي الشك في المعاد؛ فلو أيقنوا بلقاء الله لخافوا وعيده وراجوا ثوابه واستقاموا على أمره، ولكن ران على قلوبهم الشك، ثم خوفهم بإحاطته التامة بكل شيء؛ فكيف يفر من قبضة من هو محيط بكل ذرة من ذرات الوجود؟!
ونقل القرطبي عن أهل التحقيق أن تكرار أداة التنبيه والاستفتاح {أَلَا} مرتين في آية واحدة ختامية يفيد غاية التأكيد والتحذير وشدة العناية بمضمون الجملتين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَلَا}: أداة استفتاح وتنبيه تفيد تحقيق ما بعدها وتوكيده والاعتناء به.
{إِنَّهُمْ}: إنّ حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها والميم للجمع.
{فِي مِرْيَةٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إنّ، والمرية بالكسر والضم لغتان (مِرية ومُرية) وهي الشك والاضطراب في الرأي مع التردد.
{مِنْ لِقَاءِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لمرية أو بمرية، ولقاء مضاف و{رَبِّهِمْ}: مضاف إليه والكاف مضاف إليه.
{أَلَا}: أداة استفتاح وتنبيه ثانية تفيد تأكيد الحقيقة الإلهية المقابلة.
{إِنَّهُ}: إنّ واسمها عائد على الله تبارك وتعالى.
{بِكُلِّ شَيْءٍ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحيط.
{مُحِيطٌ}: خبر إنّ مرفوع بالضمة الظاهرة، ومحيط اسم فاعل من أحاط يحيط إحاطة، وهو المحيط بكل شيء علماً وقدرة وقضاء وسلطاناً وخلقاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الختام الإلهي المحكم يلخص القضية المركزية لسورة فصلت؛ فالسورة بدأت ببيان الوحي وتفصيل آياته: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} وإعراض المشركين، وخُتمت بكشف الداء الأكبر الذي صدهم عن هذا الوحي؛ وهو الشك والمرية في لقاء الله، ومقابلته بالإحاطة الإلهية التامة المحيطة.
تكرار أداة التنبيه {أَلَا... أَلَا}: نداء علوي قاطع يوقظ الغافلين وينبه السامعين إلى التناقض بين شك الإنسان الضعيف في لقاء ربه، وبين الإحاطة الإلهية المطلقة التي لا يخرج عن سلطانها كائن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جذر الانحراف البشري: الشك في اليوم الآخر: تحسم الآية المحاكمة العقلية لجذور الكفر والانحراف الأخلاقي؛ فكل مكابرة وجحود وظلم وطغيان ينشأ بالدرجة الأولى من ضعف اليقين باليوم الآخر؛ فمتى شك الإنسان في البعث والحساب هان عليه ارتكاب الموبقات واللغو في الوحي، فإذا استقر اليقين باللقاء استقامت الجوارح وأثمرت الاستقامة التي تنزل معها الملائكة بالأمان.
صفة الإحاطة ودلالتها على البعث: الاستدلال بالإحاطة التامة {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} برهان عقلي قاطع على إمكان البعث وحتمية الجزاء؛ فالذي يحيط بكل شيء علماً وقدرة يعلم أجزاء الأجساد أين تفرقت في التراب وفي بطون الحيتان وأجواف السباع، وهو قادر على جمعها وإعادتها ومحاسبتها، فلا مهرب منه ولا ملجأ منه إلا إليه.