بين الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 454)جامع البيانالطبري٢١/٤٥٤ أن قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ} انتقال من ذكر عذاب الدنيا الذي نزل بعاد وثمود إلى وصف خزي الآخرة وموقف الحساب والجزاء.
وقوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ}: فسرها قتادة والسدي ومجاهد بأنهم يُحبس أولهم على آخرهم ويُرد أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم، ليدفعوا إلى النار جميعاً صفا واحداً متلاحقين. والوَزْع في لسان العرب: الحبس والرد والكف ومنع المتقدم من السير حتى يلحق به المتأخر.
وقال ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 170)مصدر غير محدد٧/١٧٠: أي تكلؤهم الزبانية وتسوقهم الملائكة الغلاظ الشداد فيردون أولهم على آخرهم، فيجتمعون في ذلة وانكسار وصغار تمهيداً لإلقائهم في السعير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَيَوْمَ}: الواو استئنافية، و(يوم) ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره (واذكر يوم)، أو متعلق بجواب مقدر أو بما بعده.
{يُحْشَرُ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مرفوع بالضمة، وقرئ في السبعة بالياء وبفتحها وضم الشين {يَحْشُرُ} بنصب (أعداءَ) وتقدير الفاعل الله عز وجل، وقرئ بالنون {نَحْشُرُ}.
{أَعْدَاءُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة (على قراءة البناء للمجهول)، وهو مضاف، ولفظ الجلالة {اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور للتعظيم.
{إِلَى النَّارِ}: جار ومجرور متعلق بيحشر، وإلى لانتهاء الغاية المكانية.
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، و(هم) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُوزَعُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (هم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاتصال النظمي البديع: لما قال سبحانه في عاد: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى}، فصل هنا صورة من أهوال عذاب الآخرة وخزيه حين يحشرون في صورة أعداء الله مجتمعين مقموعين.
الوصف بـ {أَعْدَاءُ اللَّهِ}: أغلظ وصف يلحق الكافرين؛ إذ يدل على عداوتهم لربهم ولدينه ولأوليائه ورسله، ومن كان عدواً لله فقد خاب وخسر وضل سعيه وانقطعت عنه كل شفاعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة الحبس والرد {يُوزَعُونَ}: قد يتساءل سائل: ما فائدة رد أولهم على آخرهم وحبسهم؟ والجواب أن الجمع في الحشر في صعيد واحد مقموعين يزيد من وقع الرعب النفسي والفضيحة؛ فرؤية الجموع الحاشدة من الأتباع والمتبوعين وهم يساقون في قيود واحدة يقطع آمالهم في النجاة، ويلقي في قلوبهم الهلع واليأس التام، ويحقق معنى الخزي العام المحيط.
تجريد المشركين من كل ناصر: تبين الآية المحاكمة الصارمة لمن اتخذوا من دون الله آلهة يرجون نصرهم؛ فها هم يساقون إلى النار زمراً لا ناصر لهم ولا مجير، وتتحقق مقالة الحق السابقة: {وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ}.
المجاز المرسل والوصف الشنيع في {أَعْدَاءُ اللَّهِ}: نعتهم بالعداوة إشعاراً بأنهم بلغوا الغاية في التمرد والاستكبار، وتنبيه للمؤمنين على وجوب البراءة التامة منهم ومن مناهجهم.
دقة التعبير بالفعل {يُوزَعُونَ}: تصوير حركي بديع لمشهد السوق العنيف، حيث يتدخل الحراس والزبانية بالقهر والغلبة لمنع أي تفلت أو تقدم، كما يوزع الجيش العظيم المنضبط، لكنه هنا توزيع إذلال وقهر لا تنظيم تشريف.
البناء للمجهول في {يُحْشَرُ} و{يُوزَعُونَ}: لتهويل المشهد وللدلالة على خضوعهم المطلق للقدرة القاهرة التي تسيرهم دون أدنى مقاومة منهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب مراجعة العبد لنفسه وسلوكه؛ لئلا يقع في خصلة تجعله من أعداء الله وهو لا يشعر، كمعاداة أولياء الله أو محاربة شريعته وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
غرس عقيدة الولاء والبراء في قلب المؤمن؛ فمن كان عدواً لله فلا يجوز موالاته ولا الركون إليه ولا محبته القلبية.
استحضار هيبة ذلك الموقف العظيم حين يجمع الأولون والآخرون، والاستعداد له بالإيمان الخالص والعمل الصالح الذي ينجي صاحبه من كربات ذلك اليوم.