بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 490)جامع البيانالطبري٢١/٤٩٠ أن هذا برهان كوني آخر يقيمه الله على وحدانيته وكمال قدرته على البعث والنشور بعد الموت؛ فمن دلائله الباهرة أنك تشاهد الأرض الجدبة يابسة غبراء لا نبات فيها ولا بهجة كأنها الخاشع المتذلل، {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}: تحركت بالنبات ونمت وارتفعت بما يخرج منها من أصناف الزروع والأزهار بعد مواتها.
وقوله: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 180)مصدر غير محدد٧/١٨٠ بأن القادر على إحياء الأرض الميتة الهامدة بالماء العذب بعد قحطها وجدوبها، هو بعينه القادر على إحياء الأجساد البالية بعد صيرورتها عظاماً ورفاتاً، {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فلا يعجزه شيء أراده.
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} قال: اهتزت تحركت بالنبات، وربت أي ارتفعت وزادت ونمت. ونحوه عن مجاهد وقتادة والضحاك والسدي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمِنْ آيَاتِهِ}: الواو عاطفة أو استئنافية، ومن آياته جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{أَنَّكَ}: (أنّ) حرف توكيد ونصب، والكاف اسمها.
{تَرَى}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره أنت، والرؤية هنا بصرية.
{الْأَرْضَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{خَاشِعَةً}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة، أو مفعول به ثان إذا جعلت ترى علمية. ومعنى الخشوع في الأرض: الجدوبة والموات واليبوسة والاستكانة. والمصدر المؤول من (أنّ واسمها وخبرها) في محل رفع مبتدأ مؤخر، والتقدير: ومن آياته رؤيتك الأرض خاشعة.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ}: أنزلنا فعل ماض و(نا) فاعل، وعليها متعلق بأنزلنا، والماء مفعول به، والجملة في محل جر بالإضافة لإذا.
{اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}: اهتزت فعل ماض والتاء للتأنيث وفاعله مستتر عائد على الأرض، والواو عاطفة، وربت فعل ماض ناقص حذفت ألفه لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، وجملة اهتزت جواب شرط إذا لا محل لها. والاهتزاز الحركة، والرُّبُوّ هو الزيادة والارتفاع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستدلال الحسي المشاهد على الأمر الغيبي المنكر: دأب القرآن الكريم على قياس البعث والنشور على إحياء الأرض الهامدة؛ لأن كفار مكة كانوا ينكرون البعث ويقولون: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، فلما حاجهم بالسموات والأجرام العظيمة، أتى هنا ببرهان مشهود تحت أقدامهم في كل عام، يرون فيه حقيقة الحياة تدب بعد الموت عياناً دون إنكار.
التدرج من السكون والموات {خَاشِعَةً} إلى الحركة والحياة {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}: رسم مشهد حيوي ينبض بالإعجاز، يمثل بدقة ما سيحدث يوم القيامة حين ينفخ في الصور فتنبت الأجساد من عجب الذنب كالنبات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قياس النظير على النظير في حقيقة الإحياء: المحاكمة العقلية في الآية تقوم على قاعدة استواء الممكنات أمام القدرة الواحدة؛ فالتراب هو مادة الجسد البشري، والتراب هو مادة الأرض والنبات، فإذا رأى العقل أن الأرض الترابية الميتة الهامدة تنقلب بعد نزول قطرات الماء حية نضرة تخرج حبات القمح والثمار البهيجة، لزمه عقلاً وبديهة أن يقر بأن الذي أودع الحياة في ذلك التراب قادر على إعادة الحياة إلى التراب البشري بعد صيرورته رفاتاً؛ والتفريق بينهما تحكم عقلي فاسد وتناقض صريح.
التوافق مع الحقائق العلمية المعاصرة: أثبتت الدراسات الزراعية الحديثة أن حبيبات التربة الجافة تكون متراصة ساكنة (خاشعة)، فإذا نزل عليها الماء تشربته وتكهربت بفعل الشحنات واهتزت وتمددت وانتفخت فربت وارتفعت لتفسح المجال لنمو الجذور؛ وهو ما عبر عنه القرآن بدقة متناهية قبل أربعة عشر قرناً: {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}.
الاستعارة المكنية في وصف الأرض بـ {خَاشِعَةً}: استعار الخشوع وهو استكانة العابد وخضوعه للجدب وسكون الأرض ومواتها، لما بينهما من جامع الذلة والجمود.
الطباق والتقابل بين الخشوع والاهتزاز والربو: قابل السكون التام بالحركة الحيوية والزيادة، مما يبرز عظمة التغيير الذي تحدثه كلمة (كن) والماء الإلهي.
التوكيدات البالغة في الجملة التقريرية: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى}: استخدم (إنّ) والاسم الموصول الدال على الحجة واللام المزحلقة في الخبر، لرد شكوك المنكرين وردع مكابرتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ الإيمان باليوم الآخر والاستعداد للقاء الله؛ فكل نبتة خضراء تخرج من الأرض هي رسالة تذكير ربانية بأن القبور ستبعثر وأن الأجساد ستنشر للحساب.
اليقين بأن الله قادر على إحياء القلوب الميتة بنور القرآن والوحي كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر؛ فمهما قسا القلب وأجدب فإن استمطار رحمات الوحي يحييه ويعيد له خضرته وإيمانه.
شكر نعمة الماء والمطر والتفكر في حكمة الخالق في تدبير أرزاق العباد والبهائم.