بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 517)جامع البيانالطبري٢١/٥١٧ أن الله تعالى يلقن نبيه صلى الله عليه وسلم حجة إلزامية عقلية يلقيها في وجوه الكفار المعاندين؛ فالمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالقرآن: أخبروني عن حالكم الشنيعة وعاقبتكم الوخيمة، إن كان هذا القرآن العظيم حقاً نازلاً من عند الله كما أدعوكم إليه، ثم أصررتم أنتم على كفركم به وجحودكم لآياته، أيّ إنسان يكون أشد ضلالاً وأعظم خسراناً وهلاكاً منكم؟! وأنتم حينئذ في شقاق بعيد وخلاف شديد وعناد مستحكم عن الحق والهدى.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 186)مصدر غير محدد٧/١٨٦ الآية بأنها حجة قطعية تبين تهور الكافرين ومقامرتهم بمصيرهم الأبدي؛ فإن العاقل يزن الاحتمالات؛ فكيف إذا كانت الأدلة والبراهين قائمة على صدق القرآن، وهم مع ذلك يجازفون بمحاربته والشقاق البعيد، فيوردون أنفسهم العذاب المقيم؟!
وقال قتادة في قوله: {فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}: أي في ضلال بعيد وخلاف شديد لا يقاربه حق ولا يرجى معه فلاح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت.
{أَرَأَيْتُمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري التعجيبي، ورأيتم فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع، ومعنى أرأيتم هنا: أخبروني؛ وهو معلق عن العمل لوجود الاستفهام بعده أو سد ما بعده مسد مفعوليه.
{إِنْ}: حرف شرط جازم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر يعود على القرآن والذكر.
{مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه في محل نصب خبر كان.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي الرتبي واستعظام الكفر بعد مجيء البيان.
{كَفَرْتُمْ بِهِ}: كفرتم فعل ماض وفاعل، وبه متعلق بكفرتم، والجملة معطوفة على كان. وجواب الشرط محذوف تقديره: ألستم هالكين؟ أو دل عليه الاستفهام الإنكاري بعده.
{مَنْ}: اسم استفهام إنكاري مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، متضمن معنى النفي القطعي (لا أحد).
{أَضَلُّ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِمَّنْ}: جار ومجرور متعلق بأضل.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{فِي شِقَاقٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر هو.
{بَعِيدٍ}: نعت لشقاق مجرور بالكسرة الظاهرة، والجملة صلة الموصول من. والشقاق هو الخلاف والنزاع والمحاربة المأخوذة من كون كل فريق في شق غير شق الآخر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الأسلوب الحجاجي يمثل أرقى مراتب المناظرة العقلية والإلزام المنطقي في القرآن؛ فبعد أن أقام عليهم الحجج الكونية والتشريعية وفضح تناقضاتهم، تنزل معهم هنا إلى فرضية الاحتمال الإلزامي: (هبوا أن ما جئتكم به حق من عند الله كما تدل عليه البراهين، فماذا أعددتم لتلك العاقبة إن صح ذلك وهو صحيح قطعاً؟)، فيسقط في أيديهم وينقطع كل دفاع لهم.
العطف بـ {ثُمَّ}: استنكار عظيم ومباعدة رتبية لكفرهم؛ فمجرد التردد في قبول الحق مستقبح، فكيف إذا تيقنوا من صدقه ثم تعقب ذلك كفر وجحود متعمد؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة الحساب العقلي والمخاطرة الوجودية: تقرر الآية أصلاً عقلياً يسمى في المنطق المعاصر (رهان باسكال) ومحاكمة المخاطر؛ فلو فرض الكافر جدلاً أن هناك احتمالاً لصدق النبي، فإن كفره يمثل مقامرة خاسرة بنسبة مائة بالمائة تؤدي إلى الخلود في العذاب الغليظ؛ بينما إيمانه يؤدي إلى النجاة الأبدية. فالعقل السليم يوجب سلوك طريق السلامة والتحري الجاد، فكيف إذا كانت براهين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن قطعية ساطعة كالشمس في رابعة النهار؟! فحينئذ يكون كفرهم هو عين السفه والشقاق البعيد عن الرشاد.
بيان معنى {شِقَاقٍ بَعِيدٍ}: الشقاق هو العداوة المستحكمة، ووصفه بـ (البعيد) يدل على توغله في الباطل وانفصاله التام عن ساحل الحق؛ فهو في شق قصي لا تكاد تصله نداءات الهدى لعناده وغلوه في الخصومة.
أسلوب الاستفهام الإنكاري في {مَنْ أَضَلُّ}: نفي قاطع مسند إلى الفطرة والعقل؛ أي لا أحد في الوجود أضل سبيلاً ولا أسفه رأياً ممن يعادي خالقه ويحارب كتابه المحكم.
الاستعارة المكانية في {بَعِيدٍ}: استعار البعد الحسي في المسافات للبعد المعنوي عن الصواب؛ دلالة على استحكام الضلال وصعوبة رجوع من انغمس في هذا الشقاق.
دقة التعبير بـ {إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}: أسلوب تنزل وفرض جدلي لإفحام الخصم وإلزامه بما لا يستطيع دفعه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استخدام أساليب الحوار العقلي الرشيد ومحاكمة النتائج في دعوة غير المسلمين والملاحدة؛ لإيقاظ عقولهم ودفعهم إلى التفكير في مآلات كفرهم وعواقب رهانهم الخاسر.
الحذر من الوقوع في الشقاق واللجاجة في الخصومة؛ فإن العناد يصم الآذان ويعمي البصائر عن إدراك الحقائق الجلية.
اليقين المطلق بأن القرآن من عند الله الخالق العظيم، وأن التمسك به هو سبيل النجاة الوحيد من الضلال والشقاق.