بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 498)جامع البيانالطبري٢١/٤٩٨ أن هذا تسلية وتعزية من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم ولغوهم؛ فالمعنى: ما يقول لك هؤلاء المشركون المكذبون من الطعن فيك وتسميتك ساحراً أو شاعراً أو مجنوناً أو كاذباً، إلا مثل ما قالته الأمم الكافرة السابقة لرسلها من قبلك؛ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل؛ فإن سنتهم وسنة مكذبيهم واحدة.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 182)مصدر غير محدد٧/١٨٢ قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}: أي إن ربك لذو عفو ومغفرة لمن تاب وأناب وآمن به واتبع رسله، وهو ذو عقاب موجع أليم لمن كفر به وعاند وأصر على جحوده وطغيانه.
ونقل القرطبي عن قتادة والضحاك: المعنى أن ما أوحي إليك في هذا القرآن من أصول التوحيد والدعوة هو عين ما أوحي إلى الرسل من قبلك، وأن ربك يجمع بين المغفرة للمؤمنين والعقاب للكافرين، والقول الأول في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما رماه به المشركون هو الأشهر عند الجمهور وأليق بسياق التسلية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَا}: نافية مهملة لوجود إلا، أو اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، والأول أظهر.
{يُقَالُ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله (مبني للمجهول) مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لَكَ}: جار ومجرور متعلق بيقال.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع نائب فاعل ليقال.
{قَدْ قِيلَ}: (قد) حرف تحقيق، وقيل فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على ما، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التوجيه الإلهي جاء في موضعه الأتم لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذكر لغو الكفار وإلحادهم في الآيات والطعن في القرآن؛ ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا البلاء ليس بدعاً نزل به وحده، بل هو سنة ماضية في صراع الحق والباطل، فتقوى نفسه على التحمل واليقين.
الجمع بين وصفي المغفرة والعقاب {لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}: يمثل توازناً عقدياً ودعوياً كاملاً؛ فلا يقنط الداعية من رحمة ربه، ولا ييأس من توبة بعض المدعوين، وفي الوقت نفسه يثق بأن الجبابرة المعاندين واقع بهم عقاب الله الأليم لا محالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد استغراب التكذيب ووحدة المنطق الكفري عبر التاريخ: تكشف الآية للمحاكمة العقلية أن كفار مكة لم يأتوا بجديد في عداوتهم؛ فالمنطق الكفري متشابه في كل زمان ومكان؛ لأن منبعه واحد وهو الكبر والهوى الشيطاني، فمن تأمل تاريخ النبوات علم أن الرسل جميعاً قوبلوا بنفس الشبهات والشتائم، وهذا التشابه في التكذيب برهان ساطع على صدق الأنبياء وثبات منهجهم الرباني.
التوازن بين الخوف والرجاء في الصفات الإلهية: تدفع الآية شبهة الاغترار بسعة الرحمة وحدها، أو القنوط بسبب شدة العذاب؛ فالله ذو مغفرة تامة لمن استغفر، وذو عقاب أليم لمن استكبر، والعبد العاقل يسير إلى ربه بجناحي الخوف والرجاء.
أسلوب الحصر والقصر بـ (ما) و(إلا): لتقوية معنى التسلية وحصر الأقوال الموجهة إليه في نفس ما قيل للرسل، مما يقطع عنه الحزن والاستغراب.
البناء للمجهول في {يُقَالُ} و{قِيلَ}: إشعار بهوان القائلين وسقوط أقوالهم وعدم وزنها في ميزان الحقيقة؛ فلا يستحقون أن تذكر أسماؤهم تشريفاً.
التوكيد باللام في {لَذُو}: لتقرير ثبوت المغفرة والعقاب كصفتين جليلتين من صفات الربوبية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تأسيس قاعدة الصبر عند الدعاة والمصلحين؛ فكل من حمل رسالة الإسلام وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر سيلقى من التهم والطعن ما لقيه الرسل قبله، والموفق من وطن نفسه واقتدى بالموكب النبوي المبارك.
دوام اللجوء إلى مغفرة الله والاستعاذة من عقابه؛ فالمؤمن لا يستكبر عن التوبة، ولا يقنط من رحمة ربه.
استشعار معية الله وتأييده؛ فإن الله الذي نصر الرسل السابقين وأهلك مكذبيهم هو الذي ينصر أتباعهم في كل عصر.