بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 500)جامع البيانالطبري٢١/٥٠٠ أن كفار قريش كانوا يقترحون الباطل تعنتاً؛ فقال بعضهم: هلا نزل هذا القرآن بلسان غير عربي ليكون أعجب وأدل على الإعجاز! فرد الله عليهم مبطلاً تعنتهم وكاشفاً عن تناقضهم: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}؛ أي هلا بينت آياته بلساننا العربي لنفهمه وندرك معانيه؟! {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ}: أيكون الكتاب أعجمياً والرسول واللسان عربياً؟ كيف نفهم ما لا نعلم؟! فلما نزل عربياً كفروا به، ولو نزل أعجمياً لكفروا به واعتذروا بعدم الفهم، فدل ذلك على أن كفرهم نابع من العناد لا من قصور الحجة.
وقوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 183)مصدر غير محدد٧/١٨٣ بأن القرآن يهدي قلوب المؤمنين إلى الصراط المستقيم، ويشفي صدورهم من الشكوك والريب والشهوات والأسقام المعنوية والحسية.
وقوله: {وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}: أي صمم وثقل يمنعهم من استماع الحق وفهمه، والقرآن عليهم عمى لا يبصرون نوره، فهم بمنزلة من ينادى من مكان شاسع يسمع الصوت ولا يفقه المعنى.
وقرأ الجمهور {أَأَعْجَمِيٌّ} بهمزتين: الأولى للاستفهام الإنكاري والثانية همزة الكلمة وحققتا أو سهلت الثانية، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بهمز واحدة مطولة {آعْجَمِيٌّ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، و(لو) حرف امتناع لامتناع (شرط غير جازم).
{جَعَلْنَاهُ}: جعل فعل ماض ينصب مفعولين، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول.
{قُرْآنًا}: مفعول به ثان لجعل، و{أَعْجَمِيًّا}: نعت لقرآناً منصوب بالفتحة، والأعجمي هو الكلام غير العربي، أو غير الفصيح ولو كان عربياً.
{لَقَالُوا}: اللام واقعة في جواب لو، وقالوا فعل ماض وفاعله، والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم.
{لَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ بمعنى (هلا).
{فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}: فصلت فعل ماض مبني للمجهول والتاء للتأنيث، وآياته نائب فاعل مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
{أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، وأعجمي خبر لمبتدأ محذوف تقديره (أكتاب أعجمي)، والواو عاطفة، وعربي معطوف أو خبر ثان، والتقدير: أكتاب أعجمي ورسول عربي أو مخاطب عربي؟
{قُلْ}: فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت.
{هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}: هو مبتدأ، وللذين جار ومجرور متعلق بهدى أو بمحذوف حال، وجملة آمنوا صلة الموصول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يفضح التناقض النفسي والجدلي لأهل الكفر؛ فلما جحدوا القرآن وهو عربي مبين وقالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ}، بين الله أن علتهم ليست في اللسان ولا في الأسلوب، بل في قلوبهم المريضة؛ فلو نزل بلغة أخرى لاعترضوا بنفس المنطق الجدلي.
المقابلة البديعة بين أثر القرآن على المؤمنين وعلى الكافرين: فهو للمؤمن هدى يهدي بصيرته، وشفاء يبرئ قلبه من الشبهات، وهو بعينه على الكافر وقر في أذنه وعمى على عينه؛ لبيان أن العيب ليس في شمس الوحي بل في العين الرمدة التي تعشى عن النور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد الشبهات التعنتية وبيان حكمة الإنزال العربي: أقام القرآن محاكمة عقلية قاطعة للمشركين؛ فإن تنزيل الكتاب بلغة القوم الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم هو عين الحكمة والبيان، لتقوم الحجة عليهم ويفقهوا كلامه، ولو نزل بلغة أعجمية لقامت لهم حجة الاعتذار بعدم الفهم، فلما سلبهم الله هذه الحجة بإنزاله عربياً مبيناً، انقطعت معاذيرهم وبقي جحودهم محض عناد.
كيف يكون القرآن هدى وهو عليهم عمى؟ الجواب الحاسم: أن القرآن في ذاته هدى ونور مطلق، ولكن الكافر لما أعرض عنه واستكبر وصم أذنيه وتعامى عنه، صار سماعه للقرآن سبباً في زيادة غيظه وضلاله وعماه؛ كما قال تعالى في سورة الإسراء: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}. فالماء العذب يسقي الورد فيفوح طيباً، ويسقي الحنظل فيزداد مرارة، والعيب في القابل لا في الفاعل.
التمثيل الرائع في {أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}: تشبيه تمثيلي بديع لحال الكافر مع آيات القرآن بمن يناديه منادٍ من مسافة شاسعة؛ فهو يسمع جلبة وصوتاً مبهماً ولا يتبين الكلمات ولا يفقه المعاني، وهذا تصوير لحرمانهم من الفقه والاهتداء بالوحي.
الإسناد المجازي في {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى}: أطلق المصدر (عمى) على القرآن مبالغة، كأن القرآن نفسه تحول في حسهم إلى ظلمة وعمى بسبب ركوسهم في الضلالة.
التنكير في {هُدًى وَشِفَاءٌ}: تنكير للتعظيم البالغ؛ أي هداية لا تدانيها هداية، وشفاء تام لا يغادر سقماً في القلوب والأبدان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستشفاء بالقرآن الكريم؛ فإنه الشفاء التام لكل أمراض القلوب من شكوك وشبهات وحسد وكبر، والشفاء لأدواء الأبدان بالرقية الشرعية واليقين.
الحذر من الوقوع في آفة التعنت والجدل العقيم؛ فإن صاحب الهوى لا يقنعه برهان، بل ينتقل من شبهة إلى أخرى هرباً من التسليم للحق.
شكر الله تعالى على نعمة الهداية للقرآن وسؤاله دوام البصيرة وانفتاح الأسماع والقلوب لنوره العظيم.