بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 488)جامع البيانالطبري٢١/٤٨٨ أن المعنى: فإن استكبر هؤلاء المشركون عن السجود لله والإنعام بآياته وأصروا على شركهم، فإن الله غني عنهم وعن عباداتهم وسجودهم؛ فله عباد مكرمون من الملائكة المقربين {عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} دائمين على تقديسه وتنزيهه، {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ}: أي لا يملون ولا يفترون ولا يكلون عن طاعته وعبادته أبداً.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 179)مصدر غير محدد٧/١٧٩ الآية بنظيرتها في سورة الأنبياء: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}، ونظير قوله في سورة الأنعام: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}، مبيناً أن استكبار الكافرين لا ينقص من ملك الله مثقال ذرة، وأن ملائكة السماء مستغرقون في حمده وتسبيحه في كل آن وحين.
وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ» (سنن الترمذي، رقم 2312، وحسنه).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اسْتَكْبَرُوا}: فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
{فَالَّذِينَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، و(الذين) اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
{عِنْدَ رَبِّكَ}: ظرف مكان منصوب وهو مضاف، و(ربك) مضاف إليه والكاف مضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول؛ أي الذين استقروا عند ربك، والمراد بالعندية عندية المكانة والتشريف والكرامة والقرب الملائكي، لا عندية المكان الحسي المجرد.
{يُسَبِّحُونَ لَهُ}: يسبحون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وله متعلق بيسبحون، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
{وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ}: الواو حالية، و(هم) مبتدأ، وجملة {لَا يَسْأَمُونَ}: خبر المبتدأ في محل رفع، والسآمة هي الملالة والضجر والفتور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يقطع دابر أي توهم بأن استكبار المشركين عن السجود يضر الله سبحانه أو يفت في عضد دعوة التوحيد؛ فجاء الجواب بالاستغناء المطلق وإبراز العبادة الهائلة التي يقوم بها الملائكة الأطهار في الملكوت الأعلى.
التسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: إذا كان أهل الأرض الكافرون يستكبرون عن الحق، فإن أهل السماء من الملائكة المقربين يسبحون بحمد ربهم خاضعين متذللين لا يفترون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بيان كمال غنى الله عن عباده: تدل الآية على أصل عقدي عظيم؛ وهو أن الله تبارك وتعالى غني بذاته عن سائر خلقه، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين؛ فلو أن أول الخلق وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، كما في الحديث القدسي في صحيح مسلم. فالسجود والطاعة منفعة محضة للعبد الفقير، واستكباره وبال محض عليه.
حقيقة العندية الإلهية: أجمع أهل السنة والجماعة على أن قوله: {عِنْدَ رَبِّكَ} عندية تشريف وقرب معنوي ومقام رفيع في الملأ الأعلى، مع إثبات علو الله الذاتي على خلقه واستوائه على عرشه بائن من خلقه سبحانه، دون تشبيه ولا تعطيل.
الإيجاز بالحذف البليغ: جواب الشرط محذوف تقديره: (فإن استكبروا فلا تبتئس ولا تبال بهم؛ فلله غنى عنهم، فالذين عند ربك يسبحون له).
التعبير بالجملة الحالية {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ}: لنفي أي احتمال للملالة أو الفتور؛ فعبادة الملائكة وتسبيحهم كالأنفاس لأهل الأرض، يلتذون بها ولا يتكلفونها.
الإضافة في {رَبِّكَ}: إضافة تشريف وتطمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاق كاف الخطاب بلفظ الرب، إشعاراً برعايته وتأييده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعلاء بالإيمان واليقين بأن الحق ليس تابعاً لكثرة السالكين؛ فاستكبار المعاندين لا يقدح في قدسية التوحيد، والمؤمن يستشعر أنه جزء من موكب كوني عظيم يسبح لله مع الملائكة والسموات والأرض.
الاقتداء بالملائكة في دوام التسبيح والذكر ومجاهدة النفس على نفي السآمة والملل من الطاعات، واستشعار لذة المناجاة.
مشروعية السجود هنا عند من رأى أن السجدة في تمام الآية (38) بعد ذكر نفي السآمة عن الملائكة، تسبيحاً لله وموافقة لركب المقربين.