بين أئمة التفسير والحديث أن هذه الآية الكريمة نزلت في واقعة محددة تكشف سوء ظن المشركين بصفات الله وعلمه؛ فقد روى الإمام البخاري في (صحيحه، كتاب التفسير، رقم 4817)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨١٧ والإمام مسلم في (صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم 2775)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٧٥ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ - أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ - كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلاَ يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ}».
وفسر ابن جرير الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 459)جامع البيانالطبري٢١/٤٥٩ قوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ} أي: ما كنتم تستخفون من أنفسكم عند ارتكاب المعاصي حذراً من شهادة جوارحكم؛ لأن الإنسان لا يقدر أن يختفي من سمعه وبصره وجلده إذ هي ملازمة له لا تنفك عنه، ولكن الدافع الحقيقي لكم على ارتكاب الآثام هو ظنكم الفاسد بأن الله لا يعلم خفايا أموركم وما تسرونه في أنفسكم.
ونبه ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 171)مصدر غير محدد٧/١٧١ إلى أن جهلهم بعلم الله المحيط أوردهم الموارد وأورثهم الهلاك والخسران.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية أو عاطفة، و(ما) نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{كُنْتُمْ}: كان واسمها، وجملة {تَسْتَتِرُونَ}: خبر كان في محل نصب، ومعنى تستترون: تستخفون وتتوارون.
{أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ}: (أنْ) حرف مصدري ونصب، ويشهد فعل مضارع منصوب بأن، وعليكم متعلق بيشهد، وسمعكم فاعل مرفوع بالضمة، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله بتقدير: كراهة أن يشهد، أو حذر أن يشهد، أو في محل جر بحرف جر مقدر (من أن يشهد).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء الاستدراك بـ {وَلَكِنْ} ليبين العلة الأصلية والجذر العقائدي الفاسد الذي جرهم إلى هذه المهالك؛ فبين أن المشكلة لم تكن في عدم استتارهم من جوارحهم لأن الاستتار منها مستحيل عادة، وإنما المصيبة الكبرى نشأت من فساد تصورهم لصفات الإله سبحانه حين توهموا نقص علمه.
التقابل بين ظنهم الباطل وبين الحقيقة الإلهية: ظنوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون في السر، فقابلهم الله بإحاطة علمه وبإظهار شهود من داخل أجسادهم تبين علمه التام بكل دقيق وجليل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال نفي علم الله بالجزئيات أو الخفايا: كشفت الآية الشبهة الدهرية والشركية القديمة التي يزعم أصحابها أن الله تعالى لا يعلم إلا الكليات أو لا يعلم ما يخفيه العباد، وبيّن القرآن أن هذا الظن هو عين الجهل والكفر الذي يسلب الإله أخص صفات كماله؛ فإن من لا يعلم خفيات كونه لا يصلح أن يكون رباً ولا معبوداً ولا قادراً على التدبير والمجازاة.
عجز الإنسان الذاتي عن الهروب من المراقبة: المحاكمة هنا تلزم العاصي بحجة باهرة: كيف يغيب عنك علم الله وأنت عاجز عن الاستخفاء من سمعك وبصرك وجلدك؟ فإذا كانت آلاتك معك لا تنفك عنك، والله أقرب إليك من حبل الوريد ومحيط بك وبجوارحك، فكيف تتوهم خفاء أفعالك عليه؟!
دقة التعبير بـ {تَسْتَتِرُونَ}: الاستتار يقتضي طالباً وحاجزاً، وملازمة الجوارح تجعل الاستتار منها محالاً؛ فالتعبير به فيه تهكم خفي بجهلهم المطبق وغفلتهم العريضة.
نكارة التبعيض في {كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ}: أثبتوا لله بعض العلم وجحدوا كماله، وتجويز النقص على الله في أدنى خصلة هو جحد للألوهية بالكلية؛ لأن صفات الكمال الإلهي لا تقبل التجزئة ولا النقص بوجه من الوجوه.
الاستدراك بـ {وَلَكِنْ}: نقل الحديث من دائرة التعجب من عجزهم عن الاستتار إلى التنديد بجناية قلوبهم وظنونهم الكافرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس عقيدة المراقبة واستحضار علم الله التام المحيط بكل سر وعلانية؛ فإن العبد متى استقر في يقينه أن ربه يسمع كلامه ويرى مكانه ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أورثه ذلك حياء تاماً ووجلاً يزجره عن معاصي الخلوات.
خطورة الجهل بأسماء الله وصفاته؛ فإن أعظم الانحرافات الأخلاقية والعملية تنشأ من فساد التصور الإيماني بالله ونقص تعظيمه في القلوب.
الحث على تزكية الجوارح واستعمالها فيما يثمر العلم والعمل الصالح لتكون شهود بر ونجاة لصاحبها يوم القيامة.