بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 478)جامع البيانالطبري٢١/٤٧٨ أن الاستفهام في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا} استفهام إنكاري بمعنى النفي القاطع؛ أي: لا أحد أحسن قولاً، ولا أفضل كلاماً وطريقة، ممن دعا عباد الله إلى توحيده وعبادته وطاعته، وعمل هو في نفسه بما دعاهم إليه من الصالحات، واستسلم لله في أمره وانقاد لحكمه فقال: إنني من المسلمين.
واختلف السلف فيمن نزلت فيه هذه الآية الكريمة ومصداقها الأكمل:
روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري والسدي: أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة؛ فهو أكمل من دعا إلى الله، وعمل صالحاً، وقال إنني من المسلمين.
وروى عبد الرزاق وابن أبي حاتم والبغوي عن عائشة وعكرمة وابن عمر وقيس بن أبي حازم أنها نزلت في المؤذنين؛ فإن المؤذن يدعو إلى الله والتوحيد والصلاة بأذانه، ويعمل صالحاً بركعتي السنة وإقامته للصلوات، ويقر بإسلامه.
والتحقيق الذي قرره الطبري وابن كثير وابن عطية والقرطبي أنها عامة في كل من جمع هذه الأوصاف الثلاثة الجليلة: (الدعوة إلى الله، والعمل الصالح، والانقياد التام والاستسلام للإسلام)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيها دخولاً أولياً وهو إمام هذا المقام ورأسه، والمؤذنون والعلماء والدعاة الصادقون يندرجون فيها بحسب نصيبهم.
وقال الحسن البصري رحمه الله لما تلا هذه الآية: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال إنني من المسلمين، هذا خليفة الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَنْ}: الواو استئنافية، و(مَنْ) اسم استفهام إنكاري مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، متضمن معنى النفي القطعي (لا أحد).
{أَحْسَنُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو اسم تفضيل.
{مِمَّنْ}: (مِنْ) حرف جر، و(مَنْ) اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلق بأحسن.
{دَعَا إِلَى اللَّهِ}: دعا فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وإلى الله جار ومجرور متعلق بدعا، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَعَمِلَ صَالِحًا}: الواو عاطفة، وعمل فعل ماض وفاعله مستتر، و{صَالِحًا}: مفعول به أو نائب عن المفعول المطلق (عملاً صالحاً).
{وَقَالَ}: معطوف على عمل، وفاعله مستتر.
{إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: إنّ حرف توكيد ونصب، والنون للوقاية والياء اسمها، و{مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن وعلامة الجر الياء، والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يمثل قمة الارتقاء في التزكية والدعوة؛ فلما بين جزاء الذين استقاموا وتنزلت عليهم الملائكة، رقى الهمم هنا إلى ما هو أعلى من مجرد الاستقامة في الخاصة، وهو الجمع بين صلاح النفس بالاستقامة والعمل، وبين إصلاح الغير بالدعوة إلى الله بالقول والقدوة، ثم الاعتزاز بالانتساب إلى أمة الإسلام.
تناسب المقابلة: في الآية (26) قال الكفار: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} فكان قولهم أسوأ القول ودعوتهم إلى الباطل، فقابل ذلك هنا بأحسن القول على الإطلاق: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ}؛ ليوازن السامع بين قبح لغو الباطل ونورانية صوت الدعوة إلى الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لزوم مطابقة القول للعمل في مقام الدعوة: اشترطت الآية ثلاثة أركان متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض: (الدعوة إلى الله، العمل الصالح، الاعتزاز بالإسلام والانقياد)؛ فبينت الآية محاكمة عقلية تفضح دعاة الكلام الذين يخالف فعلهم قولهم؛ فالداعية الذي يدعو بلسانه ولا يعمل بجوارحه لا يكون صاحب أحسن قول، بل يدخل في مقت قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.
فضل الانتساب الصريح للإسلام ونبذ التحزبات: قوله: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} يدل على أن أشرف انتساب يعتز به الداعية هو الانتساب إلى هذا الدين العظيم وشعار الإسلام الجامع، فلا يتعصب لعشيرة ولا لطائفة ولا لحزب يفرق كلمة المؤمنين، بل يقول مفتخراً ومستسلماً لله: أنا من المسلمين.
أسلوب الاستفهام الإنكاري {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا}: أبلغ من النفي الصريح (لا أحد أحسن قولاً)؛ لأنه يستحضر العقل ويستنطق الفطرة لتشهد بأنه لا يوجد في الكون كله كلام أشرف ولا أزكى من الكلام الهادي إلى الله.
التعبير بالماضي {دَعَا} {وَعَمِلَ} {وَقَالَ}: لتحقيق الوقوع والتأكيد على ثبوت هذه الخصال واجتماعها في كينونة الداعية الرباني.
التوكيد في قوله: {إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: توكيد الجملة الاسمية بأنّ وياء المتكلم إشعاراً بالاعتزاز المطلق بالهوية الإسلامية والفخر بالخضوع لله دون حياء ولا تردد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرف وظيفة الدعوة إلى الله؛ فهي مهنة الرسل والأنبياء وصفوة الأولياء، ومن اشتغل بها مخلصاً حاز أرفع المنازل وكان قوله أحسن الأقوال عند مليك المقتدر.
وجوب التزام الداعية بالقدوة الحسنة؛ فالعمل الصالح هو الصدق العملي الذي يمنح الكلمات روحاً وتأثيراً في قلوب المدعوين.
الفخر بالانتساب للإسلام والاستعلاء الإيماني به في زمن تراجع الهويات وتهافت الولاءات؛ فالمسلم يفخر بدينه ويسعى لإنقاذ البشرية بهداه.