بين الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 464)جامع البيانالطبري٢١/٤٦٤ معنى قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ} أي: سببنا وهيأنا وسلطنا على هؤلاء الكفار قرناء من شياطين الإنس والجن يلازمونهم مقارنة تامة جزاء إعراضهم عن ذكر الله. والتقييض في لسان العرب: الإتاحة والتهيئة مع الملازمة.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: أمر دنياهم زينوا لهم حبها والحرص عليها والاشتغال بشهواتها وجمع أموالها، {وَمَا خَلْفَهُمْ}: أمر الآخرة زينوا لهم التكذيب بها وإنكار البعث والجزاء.
وقال مجاهد في رواية أخرى: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: من أمور دنياهم التي أدركوها، {وَمَا خَلْفَهُمْ}: ما مضى من أمر الجاهلية وسنن آبائهم المضلين.
وأوضح ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 173)مصدر غير محدد٧/١٧٣ قوله: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} أي: وجب عليهم حكم العذاب وقضاء الله بالهلاك العادل المكتوب في اللوح المحفوظ، {فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}: أي انتظموا في سلك الكافرين الهالكين من الأمم السابقة، {إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ}: حكماً عليهم بخسران الدارين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{۞ وَقَيَّضْنَا}: الواو استئنافية، وقيض فعل ماض مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل فاعل مبني على السكون في محل رفع. وأصل القيض: قشر البيضة، ومنه تقييض الشيء جعله ملازماً له كالقشرة للبيضة.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بقيضنا.
{قُرَنَاءَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو جمع قرين وهو المصاحب الملازم.
{فَزَيَّنُوا}: الفاء عاطفة سببية، وزين فعل ماض والواو فاعل.
{لَهُمْ}: متعلق بزينوا.
{مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: (ما) اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لزينوا، و{بَيْنَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و{أَيْدِيهِمْ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة والهاء مضاف إليه.
{وَمَا خَلْفَهُمْ}: الواو عاطفة، وما موصولة معطوفة على ما الأولى، وخلفهم ظرف مكان متعلق بالصلة.
{وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ}: الواو عاطفة، وحق فعل ماض مبني على الفتح، وعليهم متعلق بحق، و{الْقَوْلُ}: فاعل مرفوع بالضمة، وهو قضاء العذاب وكلمة النار المذكورة في نحو قوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}.
{فِي أُمَمٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في عليهم، أي حال كونهم مندرجين في جملة أمم، أو متعلق بحق.
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ}: (قد) حرف تحقيق، وخلت فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر، والجار والمجرور متعلق بخلت، والجملة في محل جر نعت لأمم.
{مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت ثان لأمم أو بدل من أمم.
{إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ}: إن واسمها، وكان واسمها، وخاسرين خبر كان منصوب بالياء، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن، والجملة تعليلية لموجب العذاب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكشف هذه الآية السبب النفسي والاجتماعي الذي قادهم إلى سوء الظن بالله وإلى استحقاق النار؛ وهو استسلامهم لقرناء السوء من شياطين الإنس والجن الذين أفسدوا عليهم مداركهم وزينوا لهم المعاصي.
التعبير بـ {وَقَيَّضْنَا}: بيان لسنن الله الكونية والجزائية فيمن يعرض عن هداه؛ فمن رغب عن صحبة الملائكة وهدى الأنبياء عوقب بالابتلاء بقرناء الشياطين كما قال تعالى في الزخرف: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوفيق بين التقييض الإلهي وعدالة العقاب: قد يقول قائل: إذا كان الله هو الذي قيض لهم هؤلاء القرناء، فكيف يعذبهم على تزيين القرناء؟ والجواب: أن التقييض الإلهي عقوبة قدرية تابعة لاختيار العبد السابق وإعراضه عن الحق؛ فهم الذين آثروا العمى على الهدى واستكبروا بغير الحق وجحدوا الآيات وظنوا السوء بربهم، فكان جزاؤهم من جنس عملهم أن خذلهم الله ووكلهم إلى شياطينهم، فالعقوبة جزاء عادل على كسبهم الأول.
دور الجن والإنس في الإضلال: بينت الآية أن شياطين الإنس والجن مشتركون في حبائل الإفساد؛ فشيطان الجن يوسوس، وشيطان الإنس يزين ويدعو بالقدوة السيئة والشبهات المضللة، واجتماعهما يشكل قوة إضلال جارفة لمن تجرد من سلاح التقوى.
الاستعارة في مادة التقييض: إشارة إلى الملازمة اللصيقة التي تشبه القيد والقشرة المحيطة، فلا يكاد يفارق القرين صاحبه حتى يورده المهالك.
الإحاطة في قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}: استعارة للاستيلاء على جميع تصرفاتهم وأوقاتهم؛ فلم يتركوا لهم منفذاً للتفكر الرشيد، بل أغلقوا أمامهم أبواب البصيرة في حاضرهم ومستقبلهم.
التذييل المؤكد بـ {إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ}: تحقيق لحكم الخسران بأدوات التوكيد (إنّ) و(كان) الدالة على الرسوخ، للدلالة على أن خسرانهم خسران محقق دائم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر البالغ من قرناء السوء ومجالسة أهل الأهواء والمعاصي؛ فإن الصاحب ساحب، وطباع القرين سارية إلى قرينه دون أن يشعر، وتزيين الباطل يبتدئ خطوة خطوة حتى يستحكم على القلب.
الاستعاذة الدائمة بالله من شياطين الإنس والجن والحرص على ملازمة الذكر وتلاوة القرآن؛ فإن ذكر الله هو الحصن المنيع الذي يطرد القرناء المردة.
إدراك سنة الاستدراج والخذلان؛ فالمعصية تجر إلى معصية أكبر منها، ومن أعرض عن الوحي عوقب بالركون إلى وساوس القرناء وتزيينهم الزائف.