بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 507)جامع البيانالطبري٢١/٥٠٧ أن قوله تعالى: {۞ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ} تقرير لاختصاص الله جل وعلا بعلم وقت قيام القيامة؛ فإذا سئل عنها الرسل أو الملائكة ردوا علمها إلى الله؛ إذ لا يعلم وقتها نبي مرسل ولا ملك مقرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الساعة: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» (صحيح البخاري، رقم 50، وصحيح مسلم، رقم 9).
وقوله: {وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا}: أكمام الثمرة هي أوعيتها وأغلفتها وقشورها التي تنشق عنها فتخرج الثمرة، فكل حبة وكل ثمرة تخرج في مشارق الأرض ومغاربها محصاة في علمه الأزلي قبل خروجها وحين خروجها، نقله الطبري عن ابن عباس وقتادة والضحاك.
وقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ}: لا تحمل أنثى من إنس ولا جن ولا بهيمة ولا طير ولا سمك إلا وهو عالم بحملها وجنسه وعدده وحاله ووقته، ولا تضع إلا بعلمه التام.
وقوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ}: ينادي الله المشركين يوم القيامة تبكيتاً لهم: أين الآلهة الذين زعمتم أنهم شركائي ليشفعوا لكم اليوم؟ فيجيبون مستسلمين: {آذَنَّاكَ}: أي أعلمناك وأخبرناك اليوم، {مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ}: أي ليس منا أحد يشهد اليوم بأن لك شريكاً، بل تبرأنا منهم وأقررنا بوحدانيتك بعد فوات الأوان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{۞ إِلَيْهِ}: جار ومجرور متعلق بيرد، وقدم لإفادة القصر والحصر.
{يُرَدُّ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عِلْمُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، وهو مضاف و{السَّاعَةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَمَا}: الواو عاطفة، و(ما) نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{تَخْرُجُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِنْ ثَمَرَاتٍ}: (مِنْ) حرف جر زائد لتأكيد استغراق النفي، وثمرات مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل تخرج، وقرئت في السبعة (ثَمَرَاتٍ) بالجمع، وقرأ عاصم وأبو جعفر وشيبة بالتوحيد (ثَمَرَةٍ).
{مِنْ أَكْمَامِهَا}: جار ومجرور متعلق بتخرج، والأكمام جمع كِمّ بالكسر وهو الغلاف والوعاء، والهاء مضاف إليه.
{وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى}: الواو عاطفة، وما نافية، وتحمل فعل مضارع، ومن أنثى من زائدة وأنثى مجرور لفظاً مرفوع محلاً فاعل.
{وَلَا تَضَعُ}: الواو عاطفة ولا نافية وتضع معطوف على تحمل، وفاعله مستتر.
{إِلَّا بِعِلْمِهِ}: إلا أداة حصر، وبعلمه جار ومجرور ومضاف إليه في محل نصب حال؛ أي إلا متلبساً بعلمه ومحاطاً به.
{يُنَادِيهِمْ}: ينادي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل هو الله، والهاء مفعول به، والجملة في محل جر بالإضافة ليوم.
{أَيْنَ شُرَكَائِي}: اسم استفهام مبني في محل نصب ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وشركائي مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة والياء مضاف إليه، والجملة مقول القول للنداء.
{قَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل.
{آذَنَّاكَ}: آذن فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل والكاف مفعول به أول، ومعناه: أعلمناك وأسمعناك.
{مَا}: نافية مهملة.
{مِنَّا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{مِنْ شَهِيدٍ}: (مِنْ) زائدة لتأكيد النفي، وشهيد مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب مفعول به ثان لآذناك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يرسي أركان الإحاطة العلمية الإلهية المطلقة؛ فلما ذكر في الآية السابقة أن العمل مردود إلى صاحبه وأن الله لا يظلم أحداً، قرر هنا أن قضاءه وجزاءه مبني على علم كامل تام لا يغيب عنه أدنى جزئية في الكون، من موعد الساعة الغيبي الأكبر، إلى حركة النبات ونمو الجنين في بطن أمه في أدق زوايا الوجود.
الانتقال من كمال العلم في الدنيا إلى الفضيحة العلنية للمشركين يوم القيامة: لبيان أن الذي أحاط علمه بأغلفة الثمار وأرحام الأمهات، محيط بأكاذيب الشركاء، وسيفضح دعاويهم على رؤوس الأشهاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إحاطة علم الله التامة بالجزئيات الدقيقة: تدحض الآية ضلالة الفلاسفة القائلين بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات؛ فالتنصيص على تفاصيل مثل {مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا} و{مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ} يثبت إحاطة علم الله بالذرات واللحظات وحركات الخلايا والجينات والأغلفة؛ فكل انشقاق لغلاف زهرة، وكل تلقيح لبييضة أنثى، وكل وضع ومخاض معلوم له سبحانه قبل كونه وأثناء كونه ومآله.
محاكمة الشرك يوم القيامة: كيف يزعم المشركون شفاعة الأصنام والآلهة وهم أنفسهم يعلنون يوم القيامة براءتهم التامة منها ويقولون: {مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ}؟! فهذا اعتراف ببطلان عقائدهم في الموقف الذي تنكشف فيه الحقائق وتزول الأوهام.
تقديم المعمول في {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ}: لإفادة الحصر المطلق؛ فلا يدعي معرفة وقت الساعة دجال ولا منجم، ورد علمها إلى الله أدب واجب على سائر الخلق.
دخول (مِنْ) الزائدة في سياق النفي: {مِنْ ثَمَرَاتٍ} و{مِنْ أُنْثَى} و{مِنْ شَهِيدٍ}: يفيد الاستغراق القطعي المستوعب التام لجميع الأفراد والأنواع؛ فلا تشذ ثمرة واحدة ولا أنثى واحدة من سائر الأجناس عن علمه وإحاطته.
إضافة الشركاء إلى ياء المتكلم {أَيْنَ شُرَكَائِي}: إضافة تهكمية توبيخية؛ أي الشركاء الذين زعمتموهم لي في الدنيا كذباً وزوراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقير علم الغيب ورد ما أشكل على العبد إلى علم الله؛ فلا يتكلف الإنسان الخوض في أوقات الساعة أو الغيبيات التي استأثر الله بها.
استشعار العبد إحاطة علم الله به في كل لحظة؛ فالذي يعلم ما في أكمام الشجر وما في ظلمات الأرحام يعلم ما يختلج في صدرك وما تكنه نفسك، فكن مستحيياً من نظره إليك.
التبرؤ التام من كل مظاهر الشرك والتعلق بغير الله في الدنيا؛ قبل أن يتبرأ المشركون من آلهتهم في يوم القيامة ولات حين مناص.