بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 510)جامع البيانالطبري٢١/٥١٠ أن المعنى: وغاب وتلاشى وبطل عن المشركين يوم القيامة ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله من الأصنام والأنداد والآلهة المزعومة، فلم تنفعهم ولم تدفع عنهم مثقال ذرة من عذاب الله، {وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ}: وأيقنوا وتأكدوا عند معاينة النار أنه لا مهرب لهم منها ولا ملجأ ولا مخلص ينجيهم من عذاب الله.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 185)مصدر غير محدد٧/١٨٥ قوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي: ذهب عنهم وبطل ما كانوا يرجونه من شفاعتها؛ كما قال تعالى في سورة الأنعام: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}.
والظن هنا بمعنى اليقين والعلم الجازم؛ حكاه الطبري وابن كثير والقرطبي عن عامة المفسرين؛ لأن الآخرة دار انكشاف الحقائق ومعاينة العذاب، فلا يبقى فيها مجال للشك أو التردد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَضَلَّ}: الواو عاطفة، وضل فعل ماض مبني على الفتح، والضلال هنا بمعنى الذهاب والتلاشي والضياع والبطلان.
{عَنْهُمْ}: جار ومجرور متعلق بضل.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل ضل.
{كَانُوا يَدْعُونَ}: كان واسمها، وجملة يدعون خبرها، وجملة كان صلة الموصول والعائد محذوف تقديره يدعونه، والدعاء هنا بمعنى العبادة والرجاء والتأليه.
{مِنْ قَبْلُ}: جار ومجرور متعلق بيدعون، و(قبلُ) ظرف زمان مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى، أي من قبل هذا اليوم في دار الدنيا.
{وَظَنُّوا}: الواو عاطفة، وظنوا فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، وظن هنا بمعنى أيقنوا.
{مِنْ مَحِيصٍ}: (مِنْ) زائدة لتأكيد النفي، و{مَحِيصٍ}: مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر. والمحيص اسم مكان أو مصدر ميمي من حاص يحيص إذا فر ومال وهرب، أي: ما لهم من مهرب ولا مفر ولا منجى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد يكمل تصوير خيبة المشركين بعد إقرارهم السابق {آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ}؛ فبين سبحانه أن كل معبوداتهم تلاشت وتخلت عنهم وصارت سراباً وهباءً، وانقطعت كل أسباب النجاة التي علقوا بها آمالهم في الدنيا.
التعبير بـ {ضَلَّ} مقابل اليقين بـ {مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ}: يصور المفارقة القاتلة؛ فبينما ضلت الآلهة وتاهت عنهم، أحاط بهم العذاب إحاطة محكمة لم تترك لهم ثغرة واحدة للفرار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان التعلق بالوسائط الباطلة: تقدم الآية محاكمة عقلية بالغة الصرامة لكل من يتخذ وسائط من دون الله يرجو نفعها؛ فالآلهة التي تضل عن عابديها في أحرج المواقف وأشد ساعات الحاجة هي أحقر من أن تعبد، والعاقل لا يضع ثقته ورجاءه إلا في الإله الحق الحي القيوم الذي لا يغيب ولا يضل ولا ينسى.
استخدام الظن بمعنى اليقين: يكثر في لغة العرب والقرآن استعمال الظن في مواضع اليقين حين تقترن بالأهوال؛ كقوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا}، وقوله: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ}؛ لأن معاينة الجزاء تورث علماً يقيناً راسخاً لا يخالطه ريب، ولكنه صيغ بلفظ الظن إشعاراً بأنهم كانوا يتوقعون ذلك العذاب في الدنيا مع مكابرتهم، فصار ما توجسوا منه واقعاً حتمياً محيطاً بهم.