بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 486)جامع البيانالطبري٢١/٤٨٦ أن الله تعالى يعود إلى تذكير خلقه بأدلته وبراهينه الكونية الدالة على كمال ربوبيته ووحدانيته؛ فمن آياته الدالة على قدرته العظيمة الليل إذا أظلم وستر، والنهار إذا أضاء وأبصر، والشمس بنورها ودفئها وحركتها، والقمر بضيائه ومنازله، وكلها مسخرات مدبرات خاضعات لأمره.
وقوله: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ}: نهي قاطع عن عبادة هذه الأجرام السماوية العظيمة التي كان يعبدها الصابئة ومشركو العرب وبعض الأمم المجاورة؛ فإن عظم خلقة الكوكب وبهائه لا يجعله شريكاً لله، بل هو مخلوق مسخر مقهور لنواميس بارئه، فالواجب إخلاص السجود والعبادة للخالق المبدع الذي أوجدها من العدم.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 178)مصدر غير محدد٧/١٧٨ قوله: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}: أي إن كنتم مقرين بعبوديته مطيعين لأمره؛ فإن العبادة لا تصح ولا تقبل إلا بالتوحيد الخالص ونبذ كل شريك.
وهذه الآية الكريمة موضع سجدة من سجدات تلاوة القرآن الكريم عند جماهير العلماء (أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد)، واختلفوا في موضع السجدة تحديداً: فذهب الشافعي وأحمد إلى أن السجدة عند قوله: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها عند قوله في الآية التالية: {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاسْجُدُوا لِلَّهِ}: الواو عاطفة، واسجدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، ولله جار ومجرور للتعظيم متعلق باسجدوا.
{الَّذِي خَلَقَهُنَّ}: اسم موصول نعت للفظ الجلالة، وجملة خلق فعل ماض وفاعله مستتر، و(هنّ) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. وعاد الضمير بنون النسوة (هنّ) لجمع غير العاقل (الليل والنهار والشمس والقمر)؛ لأنها أربعة أشياء، والعرب تعامل جمع ما لا يعقل معاملة جماعة الإناث.
{إِنْ كُنْتُمْ}: (إن) شرطية، وكنتم كان واسمها في محل جزم فعل الشرط.
{إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}: (إياه) ضمير منفصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم لتعملون لإفادة القصر والحصر، وتعبدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة تعبدون خبر كان، وجواب الشرط محذوف يفسره ما قبله؛ أي فاسجدوا له وحده.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من أدب السلوك والدعوة إلى أصول العقيدة والتوحيد الكوني؛ لبيان أن الدين كل متكامل يجمع بين تهذيب الأخلاق وبين تجريد التوحيد للرب الخالق العظيم.
الجمع بين الآيات الأربع المقترنة (الليل والنهار، والشمس والقمر): استيعاب للظواهر الكونية المحيطة بحياة البشر؛ فالليل والنهار ظرفان زمانيان، والشمس والقمر نيران سماويان يدبر الله بحركتهما الأوقات والفصول ومصالح المعاش، فناسب أن يستدل بها جميعاً على انفراد الله بالتدبير والخلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال شبهة الشرك الكوكبي والتعلق بالمخلوقات العظيمة: بين القرآن بطلان عقائد عبدة الكواكب والأجرام السماوية بحجة عقلية واضحة؛ وهي أن هذه الأجرام وإن عظمت ونفعت ليست إلا مخلوقات مقهورة خاضعة لمسار مرسوم وأفلاك محددة، تطلع وتغرب وتنكسف وتتغير، وقبول التغير والأفول دليل قاطع على الحدوث والافتقار إلى موجد صانع؛ فالسجود لها غاية السفه والضلال، والواجب صرف العبادة لمن خلقها ودبرها وسخرها لمنفعة الإنسان.
توجيه ضمير الجمع {خَلَقَهُنَّ}: بيّن علماء البلاغة أن عود الضمير بنون الإناث عائد على الأربعة المذكورة (الليل والنهار والشمس والقمر) لا على الشمس والقمر فقط؛ لأن سياق الآيات الكونية يجمعها في مسار واحد خاضع لأمر الله وتقديره، فدل ذلك على أن كل ما في الكون مخلوق مسبح لربه.
التقابل البديعي بين النهي والأمر {لَا تَسْجُدُوا... وَاسْجُدُوا}: لتحقيق ركني كلمة التوحيد (النفي والإثبات)؛ فنفى السجود لكل مخلوق كائناً ما كان، وأثبته لله وحده الخالق البارئ.
تقديم المفعول به في {إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}: لإفادة الحصر والاختصاص؛ أي إن كنتم تخصونه وحده بالعبادة، ولا تشركون به شيئاً.
اختيار السجود كرمز للعبادة: لأن السجود هو أظهر شعائر التذلل والخضوع وأرفع مقامات القرب بين العبد وربه؛ كما في الحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (صحيح مسلم، رقم 482)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٤٨٢.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم الخالق من خلال التأمل في الآيات الكونية العظيمة؛ فالنظر في الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار يورث القلب إجلالاً لرب العالمين ويزيد في شجرة الإيمان واليقين.
إخلاص السجود والصلاة لله وتطهير القلب من كل مظاهر الشرك والتعلق بغير الله من كواكب أو أصنام أو قبور أو أنداد.
مشروعية سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية؛ امتثالاً للأمر الإلهي وتبرؤاً من صنيع المشركين الذين استنكفوا عن السجود للواحد القهار.