بيّن الإمام الطبري في (تفسيره، ج 21، ص 453)مصدر غير محدد٢١/٤٥٣ أن الله جل ثناؤه يخبر عن سنته الماضية في خلقه؛ فإنه لما أنزل الصاعقة بعاد وثمـود وأهلك الظالمين، استخلص برحمته وفضله الذين صدقوا رسله وتبعوا أمرهم وكانوا يتقون سخطه باجتناب معاصيه، وهم هود وصالح ومن آمن معهما.
وأوضح ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 170)مصدر غير محدد٧/١٧٠ أن النجاة كانت جزاء ملازماً للإيمان والتقوى؛ فلم تصبهم الصاعقة ولا الريح الصرصر بأذى، بل حفظهم الله كما وعد رسله: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ}.
ونقل القرطبي عن المفسرين أن نجاة المؤمنين مع هلاك الكافرين في نفس الموضع والزمان هي من أعظم الآيات الدالة على كمال قدرة الله وحكمته واختياره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَنَجَّيْنَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، ونجى فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع، و(نا) فاعل مبني على السكون في محل رفع، والتضعيف في (نجّى) للمبالغة في الإنقاذ والسلامة من الهلاك الشديد.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به.
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَكَانُوا يَتَّقُونَ}: الواو عاطفة، و(كان) فعل ماض ناقص والواو اسمها، وجملة {يَتَّقُونَ} في محل نصب خبر كان، ومجيء المضارع يفيد التجدد والاستمرار في لزوم التقوى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية المعترضة بمثابة البلسم والسكينة لقلوب المؤمنين بعد مشهدين مروعين من مشاهد البطش الإلهي بعاد وثمود؛ لئلا يظن ظان أن العذاب إذا نزل عم الصالح والطالح في الاستئصال، بل بينت الآية أن سنة الله في إهلاك الأمم المكذبة تقترن بنجاة أتباع الرسل.
التعبير بالماضي {آمَنُوا} والمضارع المقترن بكان {وَكَانُوا يَتَّقُونَ}: دل على أن الإيمان أصل ثابت راسخ، وأن التقوى عمل دائم متجدد يصاحب المؤمن في سائر أحواله، وبهما معاً تتحقق النجاة التامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة عموم الهلاك والاستئصال: قد يشتبه على البعض حديث: «إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ»، فيقال: إن ذلك في العذاب العام النازل بالفتن والذنوب فيمن لم ينه عن المنكر، أما عذاب الاستئصال للأمم المكذبة للرسل فقد جرت سنة الله القاطعة التي لا تتخلف بإنجاء الرسل والمؤمنين وتخليصهم قبل إيقاع الصاعقة أو الريح، كما نصت عليه الآية: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.
اشتراط الإيمان والعمل معاً للنجاة: لم تكتف الآية بذكر الإيمان بل قرنته بالتقوى المستمرة {وَكَانُوا يَتَّقُونَ}؛ دحضاً لباطل المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان المجرد الخالي من التقوى والعمل الصالح يوجب السلامة المطلقة من كل مكروه.