بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 512)جامع البيانالطبري٢١/٥١٢ أن قوله تعالى: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} تصوير لطبيعة الإنسان الكافر المفرط في حب الدنيا المقطوع عن الاتصال بربه؛ فهو لا يمل ولا يفتر عن سؤال ربه والتماس الخير الدنيوي من صحة الجسم، وسعة الرزق، والمال، والولد، والرياسة؛ يطلب الزيادة دائماً بلا شبع ولا اكتفاء.
وقوله: {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 185)مصدر غير محدد٧/١٨٥ بأنه إذا أصابه بلاء في جسده أو فقر أو ضيق في معيشته، سقط في اليأس الشديد من رحمة الله وانقطع رجاؤه (يؤوس)، وقنط من زوال ذلك المكروه وكشف الغمة (قنوط)، لضعف يقينه وانعدام إيمانه بالمعاد وحكمة الابتلاء.
ونقل القرطبي عن ابن عباس ومجاهد: المراد بالإنسان هنا الكافر، أما المؤمن فرجاؤه قائم بربه في السراء والضراء؛ إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر وكان خيراً له.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَيَئُوسٌ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، ويئوس خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فهو يئوس)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. ويئوس صيغة مبالغة على وزن فعول من اليأس وهو انقطاع الرجاء في القلب.
{قَنُوطٌ}: خبر ثان للمبتدأ المحذوف مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو صيغة مبالغة على وزن فعول من القنوط وهو أشد اليأس وظهوره على الجوارح والملامح.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التشريح النفسي الدقيق لطبيعة الإنسان يعقب مشاهد القيامة؛ ليبين الجذور النفسية التي توقع الإنسان في الشرك والضلال؛ وهي التمركز حول المنافع المادية العاجلة، وضعف اليقين والافتقار إلى التوازن القلبي.
التقابل العجيب بين حالتين متناقضتين في النفس غير المؤمنة: الجشع المطلق الذي لا يعرف السآمة في طلب النعم الدنيوية، والانهيار النفسي التام والقنوط السريع عند أدنى مساس من الشدة؛ مما يكشف عن هشاشة البناء النفسي للإنسان إذا تجرد من الإيمان والتوكل على الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين اليأس والقنوط: أبان أئمة اللغة والتفسير الفرق اللطيف بين اللفظين؛ فاليأس يبتدئ في القلب بانقطاع حبل الرجاء، والقنوط هو أثر اليأس البادي على الظاهر من انكسار وحزن وكآبة وانقطاع عن العمل والسعي؛ فجمع بين الوصفين للدلالة على استيعاب اليأس لباطن الكافر وظاهره.
التعبير بالمساس في {مَسَّهُ الشَّرُّ}: اختيار لفظ (المسّ) وهو الإصابة الخفيفة السطحية، يدل على سرعة انهيار النفس الخاوية من الإيمان؛ فأدنى وخزة من الضر أو نقص من المال تهز كيان الكافر وتورثه القنوط والجزع، بخلاف المؤمن الذي تزيده الشدائد العظام ثباتاً ورجاءً وحسن ظن بمولاه.
صيغتا المبالغة {يَئُوسٌ قَنُوطٌ}: على وزن فعول للدلالة على تغلغل اليأس ورسوخ القنوط في طبعه حتى يصير سجية لازمة له عند نزول البلاء.
التنكير في السياق والتعريف في {الْإِنْسَانُ}: أل في الإنسان للجنس، لبيان أن هذه الطبيعة البشرية المطبوعة على الضعف والهلع لا يصلحها ولا يثبتها إلا نور الوحي والإيمان.
التعبير بـ {مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ}: أطلق الدعاء على الطلب والحرص والسعي؛ إشعاراً بأن لسانه وقلبه دائم اللهج بطلب المكاسب الدنيوية، ولكن لدنياه فقط لا لآخرته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تزكية النفس بالإيمان والرضا بقضاء الله؛ حتى ينجو المسلم من صفات الجاهلية المتمثلة في الجشع عند الرخاء والقنوط عند البلاء.
ترسيخ أدب الدعاء؛ بحيث يسأل العبد ربه خيري الدنيا والآخرة، ويكون همه الأكبر نيل رضا الله والجنة، لا مجرد حطام الدنيا الزائل.
اليقين بأن مع العسر يسراً، وأن فرج الله قريب؛ فلا يحل لمؤمن أن ييأس من روح الله أو يقنط من رحمته مهما ادلهمت الخطوب وتتابعت الكروب.