بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 470)جامع البيانالطبري٢١/٤٧٠ أن الكفار لما دخلوا النار وعاينوا ألوان العذاب، أدركهم الندم والغيظ على من أضلهم وسول لهم الباطل، فنادوا ربهم في النار سائلين أن يريهم الرأسين اللذين سنّا الضلالة: {رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ}.
واختلف السلف في المراد بـ {اللَّذَيْنِ}:
روى الطبري وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «هو إبليس وابن آدم الأول الذي قتل أخاه (قابيل)؛ فإبليس سن كل شرك ودعا إليه، وابن آدم سن كل قتل وظلم ومعصية». ونحوه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير.
وذهب قوم إلى أن المراد التثنية التي يراد بها الجنس؛ أي جنس المضلين من شياطين الجن وشياطين الإنس وقادة الكفر ورؤوس الضلال في كل أمة.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 175)مصدر غير محدد٧/١٧٥ قوله: {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا}: أي ندوسهما بأرجلنا في النار ليصيرا في أسفل درك من الجحيم وأشده نكالاً، تشفياً منهما وطلباً لإذلالهما فوق إذلالهما.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقَالَ}: الواو استئنافية، وقال فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: اسم موصول فاعل وجملة كفروا صلته.
{رَبَّنَا}: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، منصوب بالفتحة و(نا) مضاف إليه.
{أَرِنَا}: فعل دعاء وأمر مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
{اللَّذَيْنِ}: اسم موصول مبني على الياء (أو معرب بالياء ملحق بالمثنى) في محل نصب مفعول به ثان لأرِ.
{أَضَلَّانَا}: أضل فعل ماض، وألف الاثنين فاعل، و(نا) مفعول به، والجملة صلة الموصول.
{مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في أضلانا أو بيان للموصول، والواو عاطفة والإنس معطوف على الجن.
{نَجْعَلْهُمَا}: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (أرنا)، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول والميم والألف للتثنية.
{تَحْتَ أَقْدَامِنَا}: (تحت) ظرف مكان متعلق بنجعلهما أو بمحذوف مفعول به ثان، وهو مضاف و{أَقْدَامِنَا}: مضاف إليه و(نا) مضاف إليه.
{لِيَكُونَا}: اللام لام التعليل، ويكونا فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والألف اسمه.
{مِنَ الْأَسْفَلِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر يكونا، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم، والمراد بالأسفلين: الأسفل دركاً في العذاب والأحقر منزلة ومقاماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد يعكس نهاية التحالف الشيطاني المذكور في الآية (25) {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ}؛ فهؤلاء القرناء الذين كانوا في الدنيا أولياء وأحباباً يزين بعضهم لبعض الكفر واللغو، يتحولون في جهنم إلى أعداء يتلاومون ويطلب التابعون الدوس على وجوه المتبوعين وإلقاءهم في أسفل دركات الجحيم.
التعبير بـ {تَحْتَ أَقْدَامِنَا}: تصوير حسي فائق الدقة لنهاية الخيبة والخذلان؛ إذ يظن التابع أن إذلال متبوعه يبرد غلته أو يخفف عنه وطأة العذاب الأبدي، وهيهات أن يخفف عنهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد حيلة إلقاء التبعة على المضلين: يعمد الكفار في الآخرة إلى محاولة التملص من الجريمة بإلقاء كامل المسؤولية على شياطين الإنس والجن، ولكن حكم الله العدل يثبت أن التابع والمتبوع شريكان في الجرم وإن تفاوتت الدركات؛ لأن التابع كان له عقل واختيار ورسل تنذره، فإطاعته للقرين بمحض هواه تستوجب العذاب، كما قال تعالى في سورة ص: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحَمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ... لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ}.
انقطاع روابط الباطل: تدل الآية على محاكمة عقلية قاطعة؛ وهي أن كل مودة أو حلف لا يبنى على تقوى الله ينقلب في المعاد إلى عداوة وضغينة ورغبة في سحق الشريك، كما قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
المجاز التمثيلي في {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا}: كناية عن بلوغ الغاية في التحقير والإذلال والتشفي؛ فإن وطء الرأس والجسد بالقدم في لسان العرب هو أقصى درجات الإهانة وسلب الكرامة.
صيغة التفضيل في {الْأَسْفَلِينَ}: جمع أسفل، وهو السافل قدراً ومكاناً؛ فقابلوا استكبار القرناء في الدنيا بطلب جعلهم في أحط دركات الهوان السفلي في جهنم.
التعبير بالدعاء والالتجاء {رَبَّنَا أَرِنَا}: استخدام لفظ الربوبية في النار هو من حسرة الكفار واعترافهم الاضطراري بربوبية الله التي جحدوها في الدنيا، ولكن في وقت لا ينفع فيه النداء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من طاعة دعاة الضلال وشياطين الإنس والجن؛ فإن الصداقة المذمومة في الدنيا تنقلب في الآخرة إلى لعنة ودوس بالأقدام وسحق تحت وطأة النار.
استقلال شخصية المسلم واحتكامه إلى الوحي المعصوم لا إلى تقليد الكبراء والرؤساء؛ فإن التعلل باتباع السادة والمضلين لا ينجي من عذاب الله قطرة.
التفكر في عاقبة الخصومة في النار لتكون زاجراً حياً للمؤمن عن موالاة أهل الباطل أو مشاركتهم في أهوائهم.