بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 451)جامع البيانالطبري٢١/٤٥١ معنى قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} أي: بينا لهم طريق الحق، وأوضحنا لهم الرشاد ودللناهم على توحيد الله بما أرسلنا إليهم من رسولنا صالح وبما أريناهم من الآية المبصرة وهي الناقة، نقله عن ابن عباس وقتادة والضحاك.
وقوله: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 170)مصدر غير محدد٧/١٧٠ بأنهم آثروا الضلالة على البصيرة والعمى على الرشاد، فكفروا بالناقة وعقروها وعتوا عن أمر ربهم مع تمام وضوح البرهان لهم.
وعن قتادة في قوله: {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ}: هي الصيحة الشديدة التي رجفت بها قلوبهم ومزقت أجسادهم، وأورثتهم الهون وهو الذل والصغار جزاء كسبهم واجترائهم على حدود الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَمَّا}: الواو عاطفة، و(أما) حرف تفصيل وتوكيد متضمن معنى الشرط، و{ثَمُودُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور على الاشتغال، والرفع أرجح لاقتران جوابه بالفاء.
{فَهَدَيْنَاهُمْ}: الفاء رابطة لجواب أما، وهدى فعل ماض، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به، والهداية هنا بمعنى الدلالة والبيان والإرشاد المتعدية لمفعول واحد.
{الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}: (العمى) مفعول به منصوب بفتحة مقدرة، و{عَلَى الْهُدَى}: جار ومجرور متعلق باستحبوا متضمناً معنى الإيثار والتفضيل؛ إذ يقال: استحببت كذا على كذا إذا فضلته عليه وآثرته.
{فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ}: الفاء عاطفة مفرعة للجزاء، وأخذ فعل ماض، والتاء للتأنيث، وهم مفعول به، و{صَاعِقَةُ}: فاعل مرفوع، وهو مضاف إلى {الْعَذَابِ}، و{الْهُونِ}: نعت للعذاب أو مصدر وصف به للمبالغة، وهو الذل الشديد والمهانة.
{بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: الباء سببية، و(ما) مصدرية، أي بسبب كسبهم المستمر للآثام والشرك وعقر الناقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما فرغ من ذكر عاد التي كان جرمها الاستكبار بالقوة العضلية والبطش، ثنى بذكر ثمود التي كان جرمها التعامي الصريح عن الآيات البينات بعد معاينتها عياناً؛ ليجمع للمخاطبين بين نموذجي الهلاك: هلاك المستكبر المعجب بقوته، وهلاك المعاند الآثر للضلالة بعد سطوع الحجة.
مقابلة الهداية الإلهية {فَهَدَيْنَاهُمْ} بالجحود البشري {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}: إبراز لتمام حجة الله وكمال عدله، وأن عذابه لم يقع عليهم ظلماً بل جاء عقباً لاختيارهم الفاسد وإصرارهم المتعمد على الركوس في الغواية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بيان مراتب الهداية ودفع شبهة الجبر: استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد وبيان، وهي عامة لجميع المكلفين قامت بها الحجة عليهم كما في قوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}، وهداية توفيق وإلهام وإعانة، وهي خاصة بالمؤمنين المتقين. فثمود نالوا البيان الكامل لكنهم بسوء اختيارهم وإرادتهم الكاسبة عاندوا وآثروا الغي، وبطل بهذا مذهب الجبرية الذين يزعمون أن العبد مجبر لا اختيار له، وأكد قوله: {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ترتب العذاب على عملهم الاختياري.
دلالة إيثار العمى: العقل الفطري يقتضي إيثار النور على الظلمة والرشاد على الهلاك، فإذا آثر المرء العمى دل ذلك على انتكاس بصيرته وفساد طويته، وأن عناده صار طبعاً راسخاً لا تنفع معه المعجزات الحسية كناقة ثمود.
الاستعارة التصريحية البديعة في {الْعَمَى}: استعار العمى للضلالة والكفر، والهدى للبصيرة والإيمان، والجامع بينهما الحيرة والتردي في المهالك عند فقد النور.
التضمين البلاغي في الفعل {فَاسْتَحَبُّوا}: ضُمّن معنى الإيثار والتفضيل فعدي بـ (على)، للدلالة على أنهم تركوا الهدى مع معرفتهم به حباً في العمى وشهواتهم العاجلة.
الإضافة في {صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ}: إضافة الموصوف إلى صفته أو إضافة البيان لبيان شدة العذاب المذل المهين الماحق لخيلاء المعاندين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من تقديم الهوى والمألوف والتقليد الأعمى على براهين الحق الصريحة؛ فإن علم العبد بالحق لا ينفعه إذا لم يقترن بالانقياد والعمل، وإيثار العمى قد يبدأ بترك واجب أو ارتكاب محرم حتى يستحكم على القلب.
عدالة الجزاء الإلهي: الجزاء من جنس العمل؛ فلما استحبوا عمى الضلال على هدى النور، أذاقهم الله صاعقة العذاب الهون جزاء وفاقاً لكسبهم.
أهمية شكر نعمة الهداية والاعتصام بها وسؤال الله الثبات عليها دائماً، فإن أعظم الخذلان أن يبصر الإنسان الحق ثم ينكص عنه على عقبيه.