بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 466)جامع البيانالطبري٢١/٤٦٦ أن كفار قريش لما بهرتهم حجج القرآن العظيم، وعجزوا عن معارضته بمثله، وخافوا أن يستميل قلوب الناس بحلاوته وسلطانه، تواصوا فيما بينهم بالصد عنه والمغالبة الباطلة فقالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ}.
واختلف السلف في معنى {وَالْغَوْا فِيهِ}:
قال ابن عباس ومجاهد: اللغو هو الشغب والمكاء والتصفير والصياح والتشويش حتى يخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم قراءته فلا يفهم السامعون كلامه.
وقال الضحاك وقتادة: عارضوه بالباطل واللغط والكذب وقول الشعر، وقولوا: هو سحر وشعر وأساطير الأولين.
وقال أبو العالية: تشاغلوا عنه بالحديث واللغو إذا تلي عليكم حتى لا تصغوا إليه.
وذكر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 174)مصدر غير محدد٧/١٧٤ أن هذا كان ديدن كفار مكة؛ كانوا إذا تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أكثروا الشغب واللغط والصفير والتصفيق ونفروا الناس عنه، وقال بعضهم لبعض: {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} أي تظفرون بالنصر وتدفعون دعوته بهذا الشغب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقَالَ}: الواو استئنافية، وقال فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة {كَفَرُوا}: صلة الموصول.
{لَا تَسْمَعُوا}: (لا) ناهية جازمة، وتسمعوا فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{لِهَذَا الْقُرْآنِ}: اللام حرف جر تفيد تضمين الفعل معنى الإنصات والإصغاء، واسم الإشارة في محل جر باللام، و{الْقُرْآنِ}: بدل أو عطف بيان مجرور بالكسرة.
{وَالْغَوْا فِيهِ}: الواو عاطفة، و(الغوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، ومضارعه يَلْغَى أو يَلْغُو من لغا يلغو أو لغي يلغى، وأصل اللغو: السقط من الكلام الذي لا فائدة فيه ولا تحصيل تحته، وحذفت لامه لالتقاء الساكنين، و{فِيهِ}: جار ومجرور متعلق بالغوا، والظرفية هنا تدل على إيقاع اللغو في زمن تلاوته ومحله للتشويش عليه.
{لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}: (لعل) حرف ترج ونصب والكاف اسمها، وجملة {تَغْلِبُونَ}: خبرها في محل رفع، والمقصود بالترجي هنا التعليل لمرادهم وغرضهم الفاسد من التشويش.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص التاريخي والقرآني البديع يكشف سلاح العاجز المفلس؛ فلما ذكر تقييض القرناء وتزيينهم، وثق هنا جانباً من مكائد هؤلاء القرناء وأتباعهم من كفار مكة في محاربة الوحي، حيث لجؤوا إلى أسلوب التشويش والصياح لعلمهم المسبق بضعف شبهاتهم أمام جلال القرآن.
ربط النهي عن السماع بالأمر باللغو {لَا تَسْمَعُوا} {وَالْغَوْا}: إحاطة للمكيدة من طرفين؛ النهي السلبي بالامتناع عن الاستماع، والأمر الإيجابي بالصخب والتشويش المانع لغيرهم من السماع، لتحقيق الغلبة المزعومة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اعتراف ضمني بإعجاز القرآن وقوته الحجاجية: تدل هذه الآية دلالة عقلية قطعية على أن المشركين كانوا في قرارة نفوسهم موقنين بقوة القرآن وسلطانه الباهر على النفوس؛ إذ لو كان القرآن كذباً أو شعراً أو سحراً مقدوراً عليه لما خافوا من مجرد سماعه ولعارضوه بحججهم، ولكن خوفهم الشديد من أن يستميل القرآن قلوب الناس بمجرد الاستماع إليه ألجأهم إلى حرب التعتيم والتشويش واللغو، وهذا أبلغ اعتراف بعجزهم وإفلاسهم الفكري.
دحض حيل الإلهاء والتشويش الإعلامي عبر العصور: ما زال أعداء الحق في كل زمان ومكان يستعملون هذه الحيلة الشيطانية؛ فإذا عجزوا عن مقارعة فكرة الإسلام بالحجة، أثاروا الغبار الإعلامي والضجيج واللغو والشبهات المفتعلة وصرفوا الجماهير بتوافه الأمور والملاهي كي لا يصغوا إلى صوت الوحي والحق.
الإشارة بـ {لِهَذَا الْقُرْآنِ}: استخدام اسم الإشارة للقريب إما للتحقير بزعمهم، أو للدلالة على ملازمته لهم وحضور آياته بين أظهرهم مما يقلق مضاجعهم.
التعدية باللام في {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا}: الفرق بين سمعه وسمع له؛ أن (سمع له) تفيد الإنصات والقبول والتأثر، فنهاهم كبراؤهم عن الاستجابة والانقياد له.
دقة التعبير بـ {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}: التعبير بالترجي كاشف عن قلقهم وتشككهم في جدوى هذه الحيلة الرخيصة؛ فهم يرجون الغلبة ولا يقطعون بها، لعلمهم بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب الإنصات لآيات الله وتوقير القرآن والخشوع عند تلاوته؛ فاللغو عند قراءة القرآن أو التشاغل عنه أو إثارة الشغب في مجالسه من خصال الجاهلية التي حذر منها رب العالمين، والأمر الإلهي للمؤمنين: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
فضح أساليب التضليل الإعلامي المعاصرة التي تهدف إلى إشغال الأمة باللغو والتفاهة وصرف شبابها عن تدبر كتاب ربهم واعتناق مبادئه.
الثقة التامة بسلطان القرآن وغلبته؛ فإن باطل المشوشين هباء منثور، وكتاب الله غالب بنوره وحججه مهما تعالت أصوات اللغط والشغب.