بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 468)جامع البيانالطبري٢١/٤٦٨ أن قوله تعالى: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا} قسم من الله تعالى مقرون بوعيد جازم؛ فلئن رجوا الغلبة باللغو والتكذيب فلنذيقنهم في الآخرة عذاباً بالغ الشدة والنكال، ولنجزينهم على قبائح أعمالهم بأسوأ ما كانوا يعملون وهو الشرك والتكذيب ومحاربة كتاب الله.
وقال ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 174)مصدر غير محدد٧/١٧٤: أي في مقابلة ما قالوا وصنعوا من التواصي بترك سماع القرآن واللغو فيه، يقابلهم الله بالعذاب الشديد المستمر في نار جهنم، ويجازيهم بأسوأ أعمالهم؛ لأن السيئة تجازى بمثلها ولكن سميت أسوأ لمقابلة أعمالهم الشنيعة التي كانت غاية في القبح.
وأوضح القرطبي أن الله تعالى يجازي الكافر بأسوأ عمله فيعذبه عليه، ولا ينظر إلى ما قد يكون له من أعمال حسنة في الظاهر كصلة الرحم وإطعام الطعام؛ لأن كفره أبطلها وجعل عاقبته مقتصرة على أسوأ كسبه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَلَنُذِيقَنَّ}: الفاء فصيحة عاطفة مفرعة للوعيد على فعلهم الشنيع، واللام واقعة في جواب قسم مقدر محذوف، ونذيقن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن للتعظيم، ونون التوكيد حرف لا محل له.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول لنذيق.
{كَفَرُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
{عَذَابًا}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة، و{شَدِيدًا}: نعت منصوب بالفتحة.
{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ}: الواو عاطفة، واللام واقعة في جواب القسم المقدر، ونجزين فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول في محل نصب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الوعيد المؤكد هو الجواب الرباني الصارم على مقالتهم السابقة: {وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}؛ فرتب الجزاء بالفاء الفصيحة ليقطع دابر توهمهم الغلبة، ويبين أن مآل لغوهم وكيدهم هو تذوق أشد ألوان العذاب ومجازاتهم بأقبح أفعالهم.
التكرار المقسم عليه بنوني التوكيد ولامي القسم {فَلَنُذِيقَنَّ} {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ}: لإبراز الغضب الإلهي وتقرير حتمية العقاب الذي لا يقبل الإلغاء ولا التأجيل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة العدل في قوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}: قد يسأل سائل: هل يجازون بالأسوأ ويظلمون في غيره؟ والجواب الحاسم: أن الله تعالى لا يظلم أحداً؛ بل المعنى أنه سبحانه يحاسبهم على أسوأ أعمالهم وهو الشرك والكفر وتكذيب الرسل والصد عن القرآن، وهي الجرائم العظمى التي توجب الخلود في النار، ولا يعبأ بما دونها من صغائر المباحات أو الأخلاق الدنيوية؛ لأن الكفر أحبط كل حسنة. كما أن المقابلة تقتضي تذكر حال المؤمنين في قوله تعالى في سورة النور والزمر: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ فالمؤمن يعامل بالفضل فيكفر عنه الأسوأ ويجزى بالأحسن، والكافر يعامل بالعدل فيحاسب على الأسوأ وتلغى حسناته.
الحكمة من وصف العذاب بالشدة بعد تذوقه: التعبير بـ {فَلَنُذِيقَنَّ} مع وصف العذاب بـ {شَدِيدًا} يفيد استيعاب الألم لظاهر أبدانهم وباطنها؛ فالذوق أول المباشرة، فإذا كان المذاق شديداً هائلاً فكيف بما يتبعه من الغمر في لظى؟
القسم المقدر وتوالي المؤكدات: استخدام لام القسم ونون التوكيد في الفعلين يمثل ذروة التهديد والقطع بالجزاء الصارم، وهو رد نفسي يدمر غرور المكذبين ويبدد آمالهم في الغلبة.
صيغة أفعل التفضيل في {أَسْوَأَ}: تفيد أن المجازاة والمحاكمة تنصب على أشنع ما اقترفوه من جرائم الصد واللغو والكفر، ليكون العقاب متطابقاً مع غلظة الذنب.
الاستعارة المكنية في الإذاقة: تجسيم الألم الشديد في صورة المذاق المر المحترق الذي تجزع منه النفوس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تثبيت أهل الإيمان والقرآن والدعاة؛ فإن كل صوت يرتفع باللغو والتشويش على كتاب الله سينتهي إلى عذاب شديد وخزي دائم، ولن تغني عن أصحابه جموعهم ولا مكائدهم.
الرهبة من مغبة الصد عن آيات الله ومحاربة دينه؛ فإن محاربة القرآن ليست كغيرها من المعاصي، بل هي من أسوأ الأعمال التي تستوجب أغلظ العقوبات الإلهية.
استشعار نعمة الفرقان بين جزاء المؤمنين الذين يجزون بأحسن ما عملوا، وبين جزاء الكافرين الذين يجزون بأسوأ أعمالهم.