بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 472)جامع البيانالطبري٢١/٤٧٢ أن الله تعالى لما ذكر مآل أعدائه من الكفار وخزيهم في النار، ثنى بذكر أولياءه المؤمنين وجزائهم الكريم؛ فقال: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} فوحدوا الله وأقروا بربوبيته وألوهيته، {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} على توحيده وإخلاص الدين له وطاعته ولزوم أمره ونهيه حتى لقوه.
وروى الطبري وابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الاستقامة في هذه الآية فقال: «هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً، لم يروغوا روغان الثعالب».
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية على المنبر فقال: «استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب». وقال عثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم نحو ذلك: استقاموا على أداء الفرائض واجتناب المحارم.
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك؟ قال: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» (صحيح مسلم، رقم 38)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٣٨.
وقوله تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}: نقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 175)مصدر غير محدد٧/١٧٥ عن مجاهد والسدي وزيد بن أسلم: تتنزل عليهم عند الموت قائلين: {أَلَّا تَخَافُوا}: مما تقدمون عليه من أمر الآخرة، {وَلَا تَحْزَنُوا}: على ما خلفتموه من أمر الدنيا وأهليكم وأولادكم؛ فنحن نخلفكم فيهم، {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}. وقال وكيع: في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وحين يبعثون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم إن.
{قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ}: قالوا فعل ماض وفاعله، والجملة صلة الموصول، وربنا مبتدأ مرفوع بالضمة و(نا) مضاف إليه، ولفظ الجلالة {اللَّهُ}: خبر المبتدأ مرفوع، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
{ثُمَّ اسْتَقَامُوا}: (ثم) حرف عطف يقتضي التراخي الرتبي والزمني، واستقاموا فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل. والاستقامة مشتقة من القيام وهو الاعتدال واللزوم والثبات على الصراط المستقيم دون اعوجاج.
{تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}: تتنزل فعل مضارع مرفوع، وأصله تتنزل بتاءين خففت أو بقيت على الأصل للدلالة على التكرر والكثرة، وعليهم متعلق بتتنزّل، و{الْمَلَائِكَةُ}: فاعل مرفوع بالضمة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ).
{أَلَّا تَخَافُوا}: (أنْ) مفسرة بمعنى أي؛ لأن التنزيل والقول فيه معنى القول دون حروفه، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية ناصبة، و(لا) ناهية أو نافية، وتخافوا فعل مضارع مجزوم أو منصوب وعلامته حذف النون والواو فاعل.
{وَلَا تَحْزَنُوا}: معطوف على لا تخافوا.
{وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ}: الواو عاطفة، وأبشروا فعل أمر للدعاء والتبشير مبني على حذف النون، والجار والمجرور متعلق بأبشروا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل التام بين حزب الشيطان وحزب الرحمن: في الآيات السابقة صور هلاك الكفار وسوء ظنهم وتقييض قرناء السوء لهم وتنازعهم في النار، فقابل ذلك هنا ببيان كرامة أهل التوحيد والاستقامة وتنزل ملائكة الرحمة بالبشارات والأمن، ليظهر التمايز الكامل بين مصيري الفريقين.
دلالة العطف بـ {ثُمَّ}: للتنبيه على عظم منزلة الاستقامة؛ فالإقرار باللسان سهل يسير، لكن المحك الصادق هو الثبات العملي ومجاهدة النفس على لزوم الصراط المستقيم عبر تقلبات العمر وتحديات الفتن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاستقامة ليست معصومية بل سداد ومقاربة: قد يظن ظان أن الاستقامة المذكورة تعني العصمة التامة من كل ذنب وخطيئة، وهذا ظن مشق يورث اليأس، ولكن أئمة الإسلام بينوا أن الاستقامة المطلوبة هي بذل الجهد في السداد والمقاربة مع لزوم التوبة والاستغفار؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» (مسند أحمد، وموطأ مالك)، وقال تعالى في السورة نفسها: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ}، فقرن الاستقامة بالاستغفار لبيان جبر ما يقع من نقص وهفوات.
طمأنينة الاحتضار ورد كرب الموت: كشف القرآن عن بلسم إلهي يدفع أعظم كرب يواجه الإنسان وهو لحظة فراق الدنيا ومفاجأة البرزخ؛ ففي تلك اللحظة الحرجة تتنزل الملائكة بروح وريحان لتنزع الخوف من المستقبل والحزن على الماضي وتبدلهما ببشارة الجنة الخالدة.
الجمع بين نفي الخوف ونفي الحزن {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}: نفي الخوف يتعلق بما يستقبله الإنسان في قبره ومحشره ومآله، ونفي الحزن يتعلق بما خلفه وراءه من مال وولد وأهل وفوات دنيا، وبنفي الأمرين معاً يحصل له الأمن المطلق والسرور التام.
صيغة المضارع المعبرة عن الكثرة {تَتَنَزَّلُ}: تفيد التجدد والتتابع زمراً بعد زمر، لملء نفس المحتضر بالسكينة والأنس وطرد وحشة الموت.
البشارة بالأمر {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ}: نقلة نفسية من تطمين الخائف والمحزون إلى إدخال الفرحة الغامرة بنعيم الفردوس الموعود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستقامة هي لب الدين وجماع أمره؛ فعلى العبد أن يوطن نفسه على المداومة على الطاعة والثبات على العقيدة السلفية النقية حتى الممات.
حسن التوكل على الله في شأن الذرية والأهل؛ فإن الله يتولى الصالحين ويحفظ من خلفهم برعايته إذا صدقوا واستقاموا.
العمل لليوم الذي تتبدل فيه المخاوف بشارات؛ فكل تعب وجهاد ومشقة تصيب المسلم في دنياه من أجل الاستقامة تتلاشى بلحظة واحدة عند تنزل الملائكة بالبشرى الكبرى.