بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 497)جامع البيانالطبري٢١/٤٩٧ أن قوله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} نعت وتأكيد لكتاب الله العزيز المذكور في الآية السابقة؛ فبين سبحانه أن الباطل لا يجد مسلكاً ولا مدخلاً إلى هذا القرآن بوجه من الوجوه؛ فلا كتاب قبله يبطله، ولا كتاب بعده ينقضه، ولا يقدر شيطان من إنس ولا جن أن يزيد فيه باطلاً ولا ينقص منه حقاً.
واختلف السلف في المعنى التفصيلي لـ {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}:
روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لا يأتيه الباطل من بين يديه: التوراة والإنجيل؛ لا يكذبانه، ولا من خلفه: أي ليس بعده كتاب يبطله».
وقال قتادة والسدي: «لا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلاً من بين يديه، ولا ينقص منه حقاً من خلفه، بل هو محفوظ بحفظ الله».
وقال مجاهد والزهري: «لا يكذبه شيء مما تقدمه من الكتب، ولا يعقبه شيء يكذبه، وكل ما أخبر عنه من الغيوب الماضية والمستقبلة صدق وحق لا مرية فيه».
وقوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 181)مصدر غير محدد٧/١٨١ بأنه تنزيل صادر من رب حكيم في تدبيره وشرعه وأوامره ونواهيه، حميد محمود على كل أفعاله وأقواله ونعمه السابغة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَا}: نافية للجنس أو نافية للفعل لا عمل لها.
{يَأْتِيهِ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل مبني على الكسر في محل نصب مفعول به مقدم عائد على الكتاب والذكر.
{مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ}: جار ومجرور متعلق بيأتيه، و(بين) مضاف و{يَدَيْهِ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى والهاء مضاف إليه.
{وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}: الواو عاطفة، و(لا) لتأكيد النفي، ومن خلفه جار ومجرور معطوف متعلق بمحذوف، والهاء مضاف إليه. والجملة الفعلية (لا يأتيه الباطل) في محل رفع نعت ثان لكتاب عزيز، أو في محل نصب حال.
{تَنْزِيلٌ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو تنزيل)، أو نعت ثالث لكتاب مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِنْ حَكِيمٍ}: جار ومجرور متعلق بتنزيل أو بمحذوف نعت له.
{حَمِيدٍ}: نعت ثان لحكيم مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو ذروة بيان عزة القرآن ومنعته؛ فبعد أن وصفه في الآية السابقة بأنه {كِتَابٌ عَزِيزٌ}، فصل هنا وجه تلك العزة؛ وهو المنعة المطلقة من تطرق الخلل أو النقص أو التناقض أو التحريف في أي زمان ومكان.
الجمع بين صفتي {حَكِيمٍ حَمِيدٍ} في الختام: تعليل قطعي لكمال القرآن؛ فالكتاب الصادر من الحكيم لا يكون فيه عبث ولا حشو ولا تناقض، والصادر من الحميد لا تجد فيه إلا الخير والعدل والمصالح المحمودة العواقب التي تستوجب الحمد والشكر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان الإعجاز وحفظ النص القرآني عبر القرون: كشفت الآية برهاناً تاريخياً وعقلياً معجزاً؛ فقد تكفل الله بنفي إتيان الباطل للقرآن من كل الجهات والأزمنة؛ فمضت قرون متطاولة تعاقب فيها أعداء الإسلام من ملاحدة ومستشرقين وطاعنين، وبذلوا جهودهم للبحث عن تناقض داخلي أو خطأ لغوي أو تضارب علمي أو تاريخي في القرآن فلم يجدوا إلا الإحكام التام والإعجاز الباهر، وبقي المصحف الشريف متواتراً بحروفه وحركاته كما أنزل، وهذا مصداق قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.
سلامة أخباره وأحكامه: لا يأتيه الباطل في أخباره الماضية فيقع فيها كذب، ولا في أخباره المستقبلية فيتخلف وقوعها، ولا في تشريعاته فيثبت عجزها أو فسادها، بل هو الحق المطلق الصالح لكل زمان ومكان.
الاستعارة التمثيلية البليغة في {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}: صور القرآن بقلعة حصينة منيعة محاطة بحراسة إلهية تامة من سائر جهاتها؛ فلا يجد العدو سبيلاً لاقتحامها من الأمام ولا من الخلف، وهي استعارة لنفي كل وجه من وجوه النقص والخلل.
صيغة الفعيل في {حَكِيمٍ} و{حَمِيدٍ}: دالة على كمال الوصف وثبوته ورسوخه؛ فحكمته تامة تضع الأشياء في مواضعها، وحمده مستحق بذاته وبأفعاله.
التعبير بالمصدر {تَنْزِيلٌ}: لبيان علو مصدره ونزوله من لدن العلي الأعلى، والتنكير فيه للتعظيم والتفخيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بصحة كل ما جاء في القرآن الكريم من عقائد وأحكام وأخلاق، والتسليم التام له دون أدنى ريب أو تردد.
الاستغناء بالقرآن عن سائر الفلسفات والآراء البشرية القاصرة؛ فكتاب لا يأتيه الباطل حري أن يكون هو المرجع الأعلى والقاضي المهيمن في كل شؤون الحياة.
دوام حمد الله وشكره على نعمة هذا الكتاب المحفوظ الذي جعله الله نوراً وهداية وشفاء للعالمين.