بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 476)جامع البيانالطبري٢١/٤٧٦ أن هذا القول هو من كلام الملائكة المتنزلين بالبشارة للمؤمنين؛ يقولون لهم: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: كنا نتولاكم في الدنيا بالتسديد والتوفيق والإلهام للخير والدعاء والاستغفار لكم وحفظكم بأمر الله، ونحن أولياؤكم {وَفِي الْآخِرَةِ}: لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة ونؤنسكم في القبر وعند البعث وعلى الصراط. نقله عن مجاهد والسدي وابن زيد.
وفي قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 176)مصدر غير محدد٧/١٧٦ بأن أهل الجنة يظفرون في دار الكرامة بكل ما تميل إليه نفوسهم من الملاذ والمطاعم والمشارب والمناكح والمناظر والسرور الذي لم يخطر على قلب بشر.
وقوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}: فسرها الطبري وابن كثير وابن عباس بأن المراد: ما تطلبون وتتمنون؛ فكل ما سألتموه أو خطر ببالكم وجدتموه بين أيديكم حاضراً، مأخوذ من الدعاء بمعنى الطلب، أو من قولهم: ادّع ما شئت عليّ أي تمنّ واطلب ما تحب فإنه مبذول لك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.
{وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}: معطوفة على الجملة السابقة بإعرابها؛ وتدّعون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وأصله تدتعون من الدُّعاء أبدلت التاء دالاً وأدغمت في الدال، ومعناه: تطلبون وتشتهون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصال البشارة وتدرجها: لما بشرتهم الملائكة بعدم الخوف والحزن وبالجنة في الآية السابقة، أتبعوا ذلك ببيان الصحبة الكريمة والولاية المستمرة {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ}؛ لتطمئن قلوبهم إلى أنهم ليسوا غرباء في الآخرة بل معهم رفقاؤهم الكرام من الملائكة الأبرار.
استيعاب النعيم التام: جمع بين {مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ} وهو النعيم الحسي والجسدي والروحي الباطن، وبين {مَا تَدَّعُونَ} وهو كل ما يخطر بالبال ويطلب باللسان، فلا يفوتهم مطلب ولا يعوزهم أمل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة الملل أو انقطاع الرغبات في النعيم المقيم: قد يتوهم عقل قاصر أن الخلود في النعيم يورث الملل؛ فدحضت الآية هذا الوهم بتقرير أن الجنة دار لا ينفد تجددها؛ فكلما تمنت النفس رغبة وجدت خيراً منها، واقتران النعيم بـ {مَا تَدَّعُونَ} يضمن استجابة فورية متجددة لكل طارئ من الشوق والبهجة دون عناء أو كدر، ولا يبغون عنها حِوَلاً.
صحبة الملائكة مقابل قرناء السوء: مقابلة بديعة تكشف أن ولاية الملائكة للمؤمنين في الدارين قائمة على التثبيت والرحمة والشفاعة، بخلاف قرناء الشياطين الذين تبرؤوا من الكفار وطلبوا الدوس عليهم في النار.
التعبير بالجملة الاسمية المؤكدة بالضمير {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ}: لتقرير ثبوت الولاية ورسوخها ودوامها، وإدخال الطمأنينة المطلقة على قلوب الأولياء.
تكرار الجملة {وَلَكُمْ فِيهَا... وَلَكُمْ فِيهَا}: للاهتمام وتفخيم العطاء والتنويع في وجوه الكرامة الممنوحة لهم في الفردوس.
صيغة الافتعال في {تَدَّعُونَ}: تدل على المبالغة في اتساع الطلب والحرية المطلقة في التمني؛ فكل دعوى يطلبها المؤمن مجابة في الحال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار المؤمن لمعية الملائكة وصحبتهم في دار الدنيا؛ بالحرص على ما يجلب قربهم من الطاعات والذكر ومجالس العلم والتطهر، ومجانبة ما ينفرهم من المعاصي والروائح الكريهة والصور المحرمة.
الزهد في شهوات الدنيا الفانية الزائلة، وتوطين النفس على الصبر عنها في مقابل الفوز بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين في دار الخلود التي لا تفنى.
تعليق القلب والهمة بمنازل الجنة، والدعاء الدائم بالثبات على التوحيد لنيل هذه البشارة العظمى.