بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 463)جامع البيانالطبري٢١/٤٦٣ أن المعنى: فإن يصبر هؤلاء الأعداء على عذاب النار ومقامها فما صبرهم بنافعهم ولا مفرج عنهم؛ لأن النار مثواهم ومأواهم ومستقرهم الدائم الذي لا يتحولون عنه، وإن يستعتبوا أي: يطلبوا العتبى وهي الرضى وإزالة أسباب السخط بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحاً، فما هم من المعتبين أي: المجابين إلى ما طلبوا، ولا يعتبهم الله بل يقال لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}.
وقال ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 173)مصدر غير محدد٧/١٧٣: أي سواء صبروا أم لم يصبروا فهم في النار مقيمون، ولا فرج لهم منها ولا خروج، وإن استقالوا وسألوا الإقالة والرجعة فما هم بمجابين إلى ما سألوا ولا مقبول منهم عذر؛ لأن دار الآخرة دار جزاء لا دار تكليف ولا استعتاب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هم في النار لا يستجاب لهم دعاء ولا يقال لهم عثرة، انقطعت عنهم المعاذير وتبددت آمالهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَإِنْ}: الفاء استئنافية أو فصيحة، و(إن) حرف شرط جازم.
{يَصْبِرُوا}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، والنار مبتدأ مرفوع، و{مَثْوًى}: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، و{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لمثوى أو بمثوى، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. والمثوى اسم مكان من ثوى يثوي إذا أقام واستقر.
{فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، و(ما) نافية تعمل عمل ليس أو مهملة، و(هم) اسمها أو مبتدأ، و{مِنَ الْمُعْتَبِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ما (أو خبر المبتدأ)، والمعتَبين اسم مفعول من أعتبه إذا أرضاه وأزال عتبه وأجابه إلى مطلبه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي البديع يقطع كل سبل الخلاص والرجاء عن أهل النار؛ فلما بيّن في الآية السابقة أن ظنهم السيئ أرداهم، صوّر هنا حالهم البائس في النار بعد أن استقروا فيها، وأغلق دونهم بابين من أبواب رفع البلاء: باب الصبر وباب الاستعتاب والاعتذار.
الترديد بين حالين متقابلين لا ثالث لهما: إما الجلد والتحمل (الصبر)، وإما الجزع وطلب الرضى (الاستعتاب)، فبيّن أن كلا الحالين باطل لا أثر له؛ فالصبر لا يفيد تخفيفاً، والاعتذار لا يلقى قبولاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بيان الفرق بين صبر الدنيا وصبر الآخرة: الصبر في دار الدنيا محمود العاقبة مفضٍ إلى الفرج والأجر والنجاة، أما في جهنم فالصبر نوع من العذاب الإضافي؛ لأن الصبر إنما يرجى نفعه إذا كان يعقبه زوال للمكروه، فإذا كان البلاء أبدياً سرمداً لا انقطاع له، كان الصبر وعدم الصبر سواء في ميزان الحقيقة، كما قال تعالى في الطور: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ}.
سقوط العذر بعد انقضاء دار العمل: محاكمة عادلة تكشف أن طلب الرضى والاستعتاب في الآخرة طلب في غير محله؛ لأن الدنيا كانت دار الاستعتاب وقد أرسل الله فيها الرسل وأنزل الكتب ومكّن العباد وأعطاهم العمر الكافي {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ}، فلما أضاعوا مهلة العمل استقر عليهم الحكم العدل الذي لا رجعة فيه.
الإيجاز المقابل في قوله: {فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}: جواب الشرط يتضمن معنى: إن يصبروا فلا يظنوا أن صبرهم مخرجهم، بل النار مستقرهم وإقامتهم الدائمة.
صيغة الاستفعال في {يَسْتَعْتِبُوا}: تدل على شدة التضرع وطلب الرضى واستجداء الصفح بكل وسيلة ممكنة، فقوبلوا بالنفي القاطع الحاسم: {فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ}.
التعبير باسم المفعول {الْمُعْتَبِينَ}: للدلالة على أن إعتابهم ورضاهم مسلوب بالكلية من جهة الله ومن جهة ملائكة العذاب؛ فلا أحد يقبل عذرهم أو يزيل سخط الله عنهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة إلى التوبة والاستعتاب في دار المهلة والعمل قبل فوات الأوان؛ فاليوم يقبل الله التوبة ويعتب التائبين، وغداً في دار الجزاء تغلق الأبواب وترد المعاذير.
الخوف الشديد من عذاب النار وسرمديته؛ فإن الفكرة في خلود العذاب وانقطاع الرجاء تورث في القلب رهبة قاطعة تقمع الشهوات وتدفع إلى الاستقامة التامة.
تذكر نعمة الإمهال في الدنيا؛ فكل نفس يتنفسه العبد في هذه الحياة هو فرصة ثمينة لنيل رضا الله واكتساب درجات الجنان.