بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 504)جامع البيانالطبري٢١/٥٠٤ أن هذه الآية الكريمة تقرر القاعدة الكلية للعدالة والمسؤولية الإلهية؛ فالمعنى: من عمل بطاعة الله وأصلح في عمله فإنما يكتسب الخير لنفسه وينفعها بنيل الثواب والنجاة من النار؛ لأن الله غني عن طاعته، ومن أساء العمل بمعصية الله والكفر به فإنما يجني على نفسه ويضرها بنزول العقاب؛ لأن الله لا تضره معصية عاص، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}: نفي قاطع لأدنى شائبة ظلم؛ فلا يعاقب أحداً بذنب غيره، ولا ينقص محسناً من ثواب حسناته مثقال ذرة.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 184)مصدر غير محدد٧/١٨٤ الآية بتقرير عدل الله المطلق واستغنائه عن الخلق، مستشهداً بحديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا... يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي... يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (صحيح مسلم، رقم 2577)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٥٧٧.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَنْ}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{عَمِلَ صَالِحًا}: عمل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر، وصالحاً مفعول به أو نائب مفعول مطلق.
{فَلِنَفْسِهِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فعمله لنفسه) أو (فنفعه لنفسه)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر (مَنْ) جملتا الشرط والجواب.
{وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا}: معطوفة على الجملة السابقة بنظمها وإعرابها، و(على) تدل على التضرر والوزر، أي: فإساءته أو وبالها واقع على نفسه.
{وَمَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، و(ما) حجازية نافية تعمل عمل ليس، أو تميمية مهملة.
{رَبُّكَ}: اسم ما الحجازية مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه.
{بِظَلَّامٍ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي في خبر ما، و{ظَلَّامٍ}: مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر ما. وظلام صيغة مبالغة على وزن فعّال.
{لِلْعَبِيدِ}: جار ومجرور متعلق بظلام، واللام للتقوية أو للاختصاص، والعبيد جمع عبد وهو سائر الخلق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص التشريعي والعقدي الفاصل يعقب ذكر تأخير القضاء والابتلاء بالقرآن والتوراة؛ ليرسخ في وعي كل مكلف أنه لا حجة له في تأخر العذاب ولا في اختلاف الناس، بل القضية معلقة بكسبه الذاتي وعمله المستقل، وأن الله لا يظلم أحداً أبداً.
المقابلة التامة بين اللام في {فَلِنَفْسِهِ} الدالة على النفع والاكتساب، وبين على في {فَعَلَيْهَا} الدالة على التحمل والخسارة والوبال؛ لإحكام التقابل بين ثمرة الطاعة ومغبة المعصية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه صيغة المبالغة {بِظَلَّامٍ} ودفع شبهة نفي الظلم الكثير دون القليل: أثار بعض أهل الزيغ شبهة: هل نفي كونه (ظلاماً) ينفي أصل الظلم القليل؟ وقد أجاب أئمة اللغة والتفسير (كالطبري والزجاج وابن الأنباري والقرطبي وابن تيمية) بأجوبة قاطعة:
أن صيغة (فعّال) تأتي في لسان العرب للنسبة دون إرادة المبالغة؛ كـ (خيّاط وبزّاز وعطّار)، فالمعنى: وما ربك بذي ظلم قط.
أن المبالغة راجعة إلى كثرة العبيد؛ فالعبيد بالملايين والمليارات، فلو عاقبهم بغير ذنب أو نقص من أجورهم لكان ذلك ظلماً عظيماً كثيراً متراكماً، فنفى سبحانه هذا الظلم الكثير المبالغ فيه المناسب لعدد العباد، ويلزم من نفيه نفي أدنى ظلم؛ لقوله الصريح في آيات أخر: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، وقوله: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.
أن اقتران صيغة النفي بالباء الزائدة المؤكدة {بِظَلَّامٍ} يسلب أصل المعنى بالكلية، فيقتضي نفي جنس الظلم مطلقاً.
مبدأ المسؤولية الفردية: تبطل الآية كل نظريات التواكل وإسقاط التبعة على الظروف أو الحكام أو البيئة؛ فالعمل عملك، والجزاء واقع عليك نفعاً وضراً.
الإيجاز بالحذف الرائع في {فَلِنَفْسِهِ} و{فَعَلَيْهَا}: حذف المبتدأ والخبر في موضعين للتنبيه على وضوح الدلالة واستقرار الحقيقة في الفطرة دون حاجة إلى تطويل.
تأكيد نفي الظلم بالباء الزائدة {بِظَلَّامٍ}: لقطع دابر كل وسواس وإرساء العدالة الإلهية على أمتن صرح بلاغي لا يتزعزع.
إيراد اسم الرب مضافاً إلى كاف الخطاب {وَمَا رَبُّكَ}: تكريم للرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد بأن ربه الذي اختاره ورباه منزه عن كل ظلم وجور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير الإرادة الإنسانية والشعور بالمسؤولية؛ فالمؤمن يعلم أن صلاته وصيامه وصدقته وإحسانه ذخر لنفسه أولاً وآخراً، وأن إساءته ومعصيته إنما تحرق روحه وجسده.
الطمأنينة الكاملة لعدالة الله في الحساب والجزاء؛ فلن يضيع عند الله مثقال حبة من خردل، ولن يحمل أحد وزر غيره.
الحث على دوام مراجعة النفس ومحاسبتها في خلواتها وجلواتها قبل أن تحاسب أمام الرب الذي لا يظلم مثقال ذرة.