بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 457)جامع البيانالطبري٢١/٤٥٧ أن المشركين لما رأوا جوارحهم تشهد بفضائح أعمالهم، أصابتهم الدهشة والحيرة فعاتبوا جلودهم موبخين لها: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا}، ونحن إنما كنا نناضل عنكن وندافع لعذاب النار عن أجسادكن، فأجابتهم الجلود بلسان الحجة الصادعة: {أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}، أي ليس الأمر إلينا ولا بأيدينا، بل أمرنا القادر القاهر الذي لا يمتنع عليه جماد ولا ناطق.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 171)مصدر غير محدد٧/١٧١ عن قتادة: تنطق الجلود بأمر الله، وتقول: أطاع الله منا ما عصيتموه، وأنطقنا الذي أنطق كل شيء. ثم يذكرونهم بحقيقة الإيجاد الأول والبعث: {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
وقال القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 356)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/٣٥٦: وهذا الحوار الصادر بين الإنسان وأعضائه دليل قاطع على أن الأعضاء تعقل وتتكلم إذا خلق الله فيها القدرة والنطق، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، وقالوا فعل ماض والواو فاعل عائد على أعداء الله.
{لِجُلُودِهِمْ}: اللام للتعليل أو للمجاوزة، وجلودهم اسم مجرور وعلامة جره الكسرة، والهاء مضاف إليه.
{لِمَ}: اللام حرف جر، و(مَا) اسم استفهام حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها فرقا بينها وبين الموصولة، والجار والمجرور متعلق بشهدتم.
{شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا}: شهد فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، وعلينا جار ومجرور متعلق بشهدتم، والجملة مقول القول في محل نصب.
{قَالُوا}: فعل ماض وفاعله، وجملة مقول القول: {أَنْطَقَنَا اللَّهُ}.
{أَنْطَقَنَا اللَّهُ}: أنطق فعل ماض مبني على الفتح، و(نا) ضمير متصل مفعول به أول، ولفظ الجلالة {اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}: (الذي) اسم موصول مبني في محل رفع نعت للفظ الجلالة، وجملة (أنطق) صلته، و{كُلَّ}: مفعول به أول، و{شَيْءٍ}: مضاف إليه.
{وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}: الواو حالية أو استئنافية، وهو مبتدأ، وجملة خلقكم خبره، و{أَوَّلَ}: ظرف زمان أو نائب عن المفعول المطلق، وهو مضاف و{مَرَّةٍ}: مضاف إليه.
{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: الواو عاطفة، وإليه جار ومجرور متعلق بترجعون قدم لإفادة الحصر والقصر، وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الحوار المفزع يصور انهيار المتكبرين وانسداد كل منافذ الدفاع الكاذب؛ فلما باغتتهم أجسادهم بالشهادة تحولوا من الإنكار إلى الخصومة مع أبعاضهم، فجاء جواب الجلود مسكتاً لهم وموجهاً إياهم إلى البرهان الكلي المحيط بقدرة الله.
الاستدلال بالبدء على الإعادة: قوله: {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} قرن فيه نطق الجوارح بالخلق الأول والرجوع الأخير، لبيان أن الذي قدر على الإيجاد من العدم، وقدر على إعادة الأجساد بعد بلائها، هو الذي يقدر على إنطاق كل عضو صامت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان العقلي في {الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}: احتجت الجلود على الإنسان بدليل الاستقراء والعموم التام؛ فالنطق ليس خاصية ذاتية للسان لولا أن الله خلقه فيه، فالقدرة الإلهية التي جعلت الحجر والشجر والحيوان والإنسان ينطق أو يسبح بحمده قادرة على جعل الجلد والسمع والبصر ناطقين بحجته؛ فلا غرابة ولا استحالة عقلية في إنطاق الجوارح ما دام الفاعل هو الله القادر على كل شيء.
رد الحيرة والاعتراض: إن لوم العبد لجلده جهل مركب؛ لأن الجوارح مسخرة مقهورة لأمر بارئها، وكانت في الدنيا آلات مسخرة للمكلف فاستعملها في المعصية، فلما ارتفع التكليف في الآخرة رجعت إلى مقتضى طاعتها الفطرية لربها فشهدت بالحق دون محاباة.
أسلوب الحوار والمناظرة الحية: تجسيد المشهد في صورة مقاولة ومحاورة بين الظالم وجلده ينقل السامع إلى ساحة المشهد كأنه يراه رأي عين، فيبعث في القلب أبلغ معاني الوجل والرهبة.
التعبير بـ {كُلَّ شَيْءٍ}: صيغة عموم قطعية تفيد كمال طلاقة القدرة الإلهية، فلا يستعصي على أمره كائن في الأرض ولا في السماء.
تقديم الجار والمجرور في {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: للحصر، أي إليه وحده لا إلى غيره مرجعكم فيوفيكم أجوركم ويحاسبكم بعدله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك أن الجوارح أمانة مستودعة عند العبد، وأنها عبيد لله تسجد وتسبح وتخضع لأمره، واستعمالها في معصية الله خيانة عظمى للأمانة.
التفكر في عظمة القدرة الإلهية التي تخضع لها نواميس الكون؛ فكل جماد ينطق إذا أمره الله، كما حن الجذع للنبي صلى الله عليه وسلم وسبح الحصى في كفه.
إعداد الجواب ليوم الحساب، واستحضار أن الاعتذار هناك لا ينفع إذا باء العبد بخسران الدارين وأسلمته جوارحه للعذاب.