بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 484)جامع البيانالطبري٢١/٤٨٤ أن المعنى: وإما يلقين في نفسك يا محمد الشيطان نخسة أو وسوسة يثير بها غضبك أو يحملك على مجازاة المسيء بالسوء وترك الدفع بالتي هي أحسن، فاستجر بالله واعتصم به من شره ونزغاته، {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} لاستعاذتك ومقالتك، {الْعَلِيمُ} بما يدور في نفسك وما يكيدك به عدوك وما يصلحك في أمورك.
وقال ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 178)مصدر غير محدد٧/١٧٨: نبه الله تعالى على أن شياطين الإنس ينفع فيهم الدفع بالتي هي أحسن والمداراة والإحسان؛ فإن طبيعتهم الإنسانية ترجع إلى المودة والصلح، أما شيطان الجن فلا ينفع معه إحسان ولا مداراة، بل طبعه الإفساد والعداوة المحضة، ولا يدفعه عنك إلا الذي خلقه وسلطه؛ فلذلك أمر بالاستعاذة به، ونظير هذه الآية في سورة الأعراف: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}، وفي سورة المؤمنون: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ}.
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (صحيح البخاري، رقم 3282، وصحيح مسلم، رقم 2610).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِمَّا}: الواو عاطفة أو استئنافية، و(إنْ) شرطية جازمة أدغمت نونها في (ما) الزائدة المؤكدة.
{يَنْزَغَنَّكَ}: ينزغ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. وأصل النَّزْغ في اللغة: النخس والطَّعن الخفيف كالإبرة، والمراد به هنا: الوسوسة المحركة لداعية الغضب والشر.
{مِنَ الشَّيْطَانِ}: جار ومجرور متعلق بينزغنك أو بمحذوف حال من نزغ.
{نَزْغٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، واستعذ فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت، وبالله جار ومجرور متعلق باستعذ، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{إِنَّهُ}: إنّ حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو مبتدأ خبره السميع.
{السَّمِيعُ}: خبر إنّ مرفوع بالضمة الظاهرة (أو خبر المبتدأ هو).
{الْعَلِيمُ}: خبر ثان لإنّ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإرشاد الإلهي هو بمثابة خط الدفاع المنيع لصيانة خلق الحلم والعفو المذكور في الآيتين السابقتين؛ فلما أمر بالدفع بالأحسن، وكان الغضب والانتصار للنفس من أعظم المداخل التي يقتحم منها الشيطان على قلب الداعية ليفسد عليه حلمه ويدفعه إلى مقابلة السيئة بمثلها، أرشده الله فوراً إلى الترياق الحاسم وهو الاستعاذة بالله من نزغات هذا العدو الخفي.
التفريق بين عدوين: عدو ظاهر من الإنس يداوى بالإحسان وكرم الأخلاق {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وعدو باطن من الجن لا يرى بالعين ولا ترجى فطرته، فلا دواء له إلا الاستجارة بالخالق القادر القاهر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
علاج الغضب بالاعتصام الإلهي: الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم ليخرجه عن طور العقل والاتزان؛ فالاحتكام إلى العقل وحده عند فورة الغضب قد لا يجدي إذا تمكن النزغ الشيطاني، فلذلك جاء العلاج القرآني بربط القلب بالسميع العليم القادر على إطفاء تلك الجمرة وحماية النفس من الانزلاق إلى الانتقام المذموم.
عصمة الأنبياء وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم: خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {يَنْزَغَنَّكَ} و{فَاسْتَعِذْ} هو من باب تعليم الأمة وتشريع المنهج؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من متابعة نزغ الشيطان، ولكنه مأمور بالاستعاذة دوماً تعبداً لله وتثبيتاً لمنهج الالتجاء إلى ربه، ليكون أسوة لأمته في دفع كيد إبليس.
الاستعارة التصريحية في مادة {النَّزْغ}: استعار النخس الحسي بالإبرة لحركة الوسوسة الشيطانية الخفية التي تنخس القلب وتثير كوامن الغضب والشهوة.
التوكيد بنون التوكيد الثقيلة في {يَنْزَغَنَّكَ}: للتنبيه على شدة ترصد الشيطان للإنسان وأنه لا يفتأ يتحين الفرص لإيقاع النزغ، فليكن العبد على حذر دائم.
التذييل بالاسمين الجليلين مقترنين بضمير الفصل {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: لإفادة الحصر والكمال التام؛ فهو وحده السميع لكل تضرع ودعاء، العليم بخفايا الصدور ومكائد العدو، فيكفي عبده وينصره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سرعة المبادرة إلى الاستعاذة بالله عند الغضب والنزاع؛ وقول: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» بقلب حاضر موقن لقطع حبائل الفتنة.
اليقين بأن كيد الشيطان ضعيف أمام قوة الاعتصام بالله؛ فمتى استجار العبد بمولاه خنس الشيطان وتراجع كيده مدحوراً.
تربية النفس على التمييز بين الغضب لله المحمود، والغضب للنفس والانتقام للذات المذموم؛ فإن الغضب للنفس من كيد الشيطان، أما الغضب إذا انتهكت حرمات الله فهو من كمال الإيمان.