بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 519)جامع البيانالطبري٢١/٥١٩ أن هذه الآية الكريمة وعد إلهي صادق قطعي بإظهار دلائل صدق القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبراهين التوحيد في مساحات الكون الشاسعة وفي ذوات الأنفس البشرية؛ فالمعنى: سنري هؤلاء المكذبين آياتنا وعبرنا الدالة على وحدانيتنا وصدق كتابنا {فِي الْآفَاقِ}: أي في أقطار السموات والأرض وما يحدثه الله فيها من الحوادث والفتوح وظهور الإسلام، {وَفِي أَنْفُسِهِمْ}: بما يفتحه الله على نبيه من قهر صناديدهم وفتح مكة ونصر دينه، أو بما أودعه الله في خلق الإنسان من عجائب الصنعة ودلائل القدرة.
وروى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء في تفسير الآية وجوهاً متكاملة:
{فِي الْآفَاقِ}: فتوح البلدان وأقطار الأرض ونواحيها وظهور الإسلام على سائر الأديان، وما يقع في الكون من آيات كالكسوف والرياح وتدبير الأفلاك.
{وَفِي أَنْفُسِهِمْ}: فتح مكة ووقعة بدر وما حل بصناديد قريش من الخزي والنكال، وما ركب في خلقة الإنسان من بديع الأجهزة والأعضاء والتقلبات النفسية.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 187)مصدر غير محدد٧/١٨٧ قوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}: أي يظهر ويستبين لكل ذي عين وعقل أن هذا القرآن هو الحق المنزل من عند الله الذي لا يأتيه الباطل.
وقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}: أي أو لم يكفهم شاهداً على صدقك وحقية ما جئت به أن الله تعالى شاهد على أفعالهم وأقوالهم، ومطلع على كل شيء، وقد شهد لك بالتأييد والمعجزات والنصر المبين؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سَنُرِيهِمْ}: السين حرف استقبال وتوكيد، ونريهم فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن للتعظيم، والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
{آيَاتِنَا}: مفعول به ثان لنري منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، و(نا) مضاف إليه.
{فِي الْآفَاقِ}: جار ومجرور متعلق بنريهم أو بمحذوف حال من آياتنا، والآفاق جمع أُفُق أو أُفْق وهو الناحية والقطر ومنتهى ما يراه البصر من أطراف السماء والأرض.
{وَفِي أَنْفُسِهِمْ}: معطوف على في الآفاق بالجر ومضاف إليه.
{حَتَّى}: حرف غاية وجر ونصب.
{يَتَبَيَّنَ}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد حتى، ومعنى يتبين: يظهر ظهوراً قاطعاً جلياً لا لبس فيه.
{لَهُمْ}: متعلق بيتبين.
{أَنَّهُ الْحَقُّ}: (أنّ) حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها عائد على القرآن أو الإسلام أو الرسول أو الله تعالى، و{الْحَقُّ}: خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل رفع فاعل ليتبين.
{أَوَلَمْ يَكْفِ}: الهمزة للاستفهام التقريعي التعجيبي، والواو عاطفة، ولم حرف نفي وجزم وقلب، ويكفِ فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء).
{بِرَبِّكَ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد الفاعلية، وربك مجرور لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل يكفِ، والكاف مضاف إليه.
{أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}: المصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل نصب بدل اشتمال من ربك أو منصوب بنزع الخافض؛ أي بأنه شهيد، و{شَهِيدٌ}: خبر أن مرفوع بالضمة، وعلى كل شيء متعلق بشهيد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإعلان النبوي المعجز هو تتويج وبشارة لسورة فصلت كلها؛ فلما ذكر إلحادهم وتواصيهم باللغو وشكهم المريب، رد الله عليهم بهذا الوعد المستقبلي القاطع: أن الزمان كفيل بفضح كيدهم وإظهار حجج القرآن في صفحات الكون الشاسعة وفي تكوين الإنسان، حتى تلين له العقول والرقاب.
الجمع بين {الْآفَاقِ} و{أَنْفُسِهِمْ}: استيعاب لآيتي الوجود الكبرى؛ العالم الأكبر (الكون الفسيح)، والعالم الأصغر (الإنسان المعجز)، وتطابق براهين الوحي مع حقائق الوجودين معاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي والتاريخي المعاصر للآية الكريمة: تمثل هذه الآية الكريمة أحد أعظم الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن؛ فقد أخبر القرآن بالسين الدالة على الاستقبال المستمر {سَنُرِيهِمْ} أن الاكتشافات الكونية والأنفسية ستتوالى عبر القرون لتكشف عن صدق القرآن؛ وهو ما يشهده العالم اليوم في عصر الفضاء والفيزياء الفلكية (اتساع الكون، حركة الكواكب، نسيج المجرات في الآفاق)، وفي عصر الطب وعلم الأجنة والجينات والتشريح العصبي في الأنفس البشرية؛ فكلما تقدم العلم كشف عن حقيقة قررها القرآن بدقة قبل أربعة عشر قرناً؛ فصح قوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.
كفاية شهادة الله على كل شيء: بينت الآية محاكمة عقلية بالغة النضج؛ فالذي أقام هذه البراهين وشهد بصدق نبيه بتأييده ونصره وحفظ كتابه شهادته كافية قاطعة لكل شك وريب: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}، فمن لم تكفه شهادة رب الوجود فلا كفاه شيء.
الدلالة الزمنية لحرف الاستقبال (السين) {سَنُرِيهِمْ}: تفيد التجدد والاستمرار عبر تعاقب الأجيال والقرون؛ فآيات الله لا تنقضي عجائبها ولا تنتهي براهينها في الآفاق والأنفس إلى قيام الساعة.
التعبير بالفعل {يَتَبَيَّنَ}: الدال على الوضوح التام الصادع للشكوك بعد التدرج في الكشف والبيان.
حصر الحكم في {أَنَّهُ الْحَقُّ}: تعريف الخبر (الحق) يفيد قصر الحقيقة المطلقة على هذا الوحي الرباني، فكل ما خالفه باطل وضلال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحفيز البحث العلمي والتدبر في آيات الآفاق والأنفس؛ فالعلوم الكونية والطبية خادمة لعقيدة التوحيد ومرسخة لليقين بصدق القرآن العظيم.
الثقة المطلقة بغلبة هذا الدين وظهوره؛ فإن وعد الله لا يتخلف، وشواهد صدق الإسلام تتكاثر يوماً بعد يوم في مشارق الأرض ومغاربها.
استشعار شهادة الله ورقابته المحيطة بكل صغيرة وكبيرة؛ فمن علم أن ربه على كل شيء شهيد أصلح سره وعلانيته وانقاد لأمره.