تفتتح سورة الشورى بالحرفين المقطعين {حم}، وهي ثالثة سور الحواميم السبع المتوالية في المصحف الشريف.
بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 524)جامع البيانالطبري٢١/٥٢٤ أن القول في تأويل {حم} في هذا الموضع هو نظير القول فيها في سورتي غافر وفصلت؛ فهي حروف مقطعة افتتح الله بها هذه السورة للتنبيه والإعجاز، وقيل: اسم من أسماء السورة، وقيل: اسم من أسماء الله تعالى وقسم أقسم به.
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة ومجاهد أن {حم} اسم من أسماء الله تعالى، وعن قتادة قال: «هو اسم من أسماء القرآن».
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 188)مصدر غير محدد٧/١٨٨ الإجماع على أن الحروف المقطعة في أوائل السور سر من أسرار التنزيل، ومساقها إبراز إعجاز هذا الكتاب المبين؛ فإنه مركب من هذه الحروف الهجائية التي يتخاطب بها العرب، ومع ذلك عجزوا مجتمعين عن معارضته أو الإتيان بسورة من مثله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حم}: حرفان من حروف التهجي، مبنيان على السكون، لا محل لهما من الإعراب على المختار عند جمهور النحاة.
ويجوز أن يكون اسماً للسورة فيكون في محل رفع مبتدأ وخبره ما بعده، أو خبراً لمبتدأ محذوف تقديره (هذه حم)، أو في محل نصب مفعول به بفعل محذوف تقديره (اتلُ حم)، أو في محل جر بالقسم إذا اعتبر قسماً وجوابه محذوف أو ما بعده.
وفُصلت {حم} في سورة الشورى عن {عسق} فجعلت كل واحدة منهما آية مستقلة في عد الكوفيين والحجازيين والشاميين، ولم تجمعا في آية واحدة كما في بعض الفواتح، وذلك لخصوصية الإيقاع والوقف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفردت سورة الشورى من بين سور القرآن العظيم بافتتاحها بآيتين متواليتين من الحروف المقطعة: {حم} ثم {عسق}؛ لتهيئة الأسماع وتنبيه القلوب لأمر الوحي العظيم الذي تتابع على الرسل جميعاً.
التوافق النظمي مع سائر الحواميم: السور السبع تشترك جميعاً في هذا الافتتاح الصادع بجلال القرآن وعظمته، وتأتي الشورى لتضيف نغمة أخرى بـ {عسق} تؤكد اتساع آفاق التنزيل وعموم نوره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة الحروف المقطعة على الإعجاز: المحاكمة العقلية تلزم البلغاء وفصحاء العرب بحجة قاطعة؛ فالقرآن ليس لغة غريبة مجهولة، بل هو مصوغ من الحاء والميم والعين والسين والقاف؛ وهي عين الحروف التي ينظمون منها أشعارهم ويؤلفون بها خطبهم، فإذا عجزوا عن مجاراته عجزاً تاماً دل ذلك عقلاً على أنه تنزيل من حكيم عليم، لا قدرة للبشر على نسجه.
رد شبهة الإبهام والعبثية: زعم بعض الطاعنين أن الحروف المقطعة لا معنى لها، والرد أن إيرادها في مطلع السور له غايات بلاغية وتربوية عليا؛ منها قرع أسماع المكذبين الذين تواصوا باللغو، فإذا سمعوا هذه الفواتح الغريبة أنصتوا عجباً، فقامت الحجة عليهم بما يتلى بعدها من براهين التوحيد والرسالة.
سر الفصل بين {حم} و{عسق}: الفصل يمنح كل آية وقفة تدبر مستقلة، فيتجدد الإيقاع الصوتي الرخيم في النفس، ويتهيأ السامع لتلقي الحقيقة الكبرى في الآية الثالثة: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ...}.
الإيجاز المطلق: إيراد الحروف مفردة يفتح الباب للتفكر في بديع الحكمة الإلهية التي جعلت من هذه الأصوات المحدودة قرآناً معجزاً يبني أمة ويهدي البشرية.
التناسق الصوتي في حروف الفواتح: تجمع بين الحروف الحلقية والشفوية واللسانية، مما يمثل استيعاباً كاملاً لمخارج الحروف في اللسان العربي المبين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقير كلام الله تعالى والخشوع عند سماع فواتح السور، واستشعار جلال الوحي المنزه عن مشابهة كلام المخلوقين.