بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 503)جامع البيانالطبري٢١/٥٠٣ أن هذه تسلية أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم، وإخبار عن سنن الأمم السابقة؛ فالمعنى: ولقد أعطينا موسى بن عمران التوراة فكذب به قومه واختلفوا فيه؛ فمنهم من صدق به، ومنهم من كذب به وكفر كما فعل قومك بكتابك، فلا يحزنك تكذيبهم.
وقوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 184)مصدر غير محدد٧/١٨٤ بأن الكلمة السابقة هي قضاء الله بتأخير الحساب والعقاب إلى يوم القيامة وإمهال العباد في الدنيا، ولولا هذا الأجل المضروب في علمه وقضائه السابق لأنزل العذاب العاجل واستأصل المكذبين وفصل بينهم في الحال.
وقوله: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ}: قال قتادة والسدي: أي كفار قريش في شك مريب؛ موقع في الريبة والتهمة الشديدة والقلق النفسي من هذا القرآن، وقيل: الضمير لبني إسرائيل في شكهم من التوراة، وكلا المعنيين متلازمان في الدلالة على عناد المكذبين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، و(قد) حرف تحقيق.
{آتَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل.
{مُوسَى}: مفعول به أول منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{الْكِتَابَ}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة، والمراد به التوراة.
{فَاخْتُلِفَ فِيهِ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب، واختلف فعل ماض مبني للمجهول، وفيه جار ومجرور نائب فاعل في محل رفع.
{وَلَوْلَا}: الواو عاطفة أو اعتراضية، و(لولا) حرف امتناع لوجود، متضمن معنى الشرط.
{لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: اللام واقعة في جواب لولا، وقضي فعل ماض مبني للمجهول، وبينهم ظرف مكان متعلق بقضي وهو نائب الفاعل أو القائم مقامه، والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم.
{وَإِنَّهُمْ}: الواو حالية أو استئنافية، وإنّ حرف توكيد ونصب وهم اسمها.
{مُرِيبٍ}: نعت لشك مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو اسم فاعل من أراب يريب إذا أوقع في الريبة والشك المقلق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستشهاد بتاريخ موسى وبني إسرائيل يربط الرسالة المحمدية بسلسلة النبوات الكبرى؛ ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن أعظم كتب بني إسرائيل (التوراة) لم يسلم من الاختلاف والافتراق والتكذيب ممن أوتوه، فتعزت نفسه الشريفة عن تكذيب المشركين للقرآن.
الربط بين تأخير العقاب والكلمة السابقة {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ}: تنبيه لمن يستعجل العذاب استهزاءً بأن تأخر العقاب ليس عن عجز ولا غفلة، وإنما هو لإنفاذ حكمة الأجل المضروب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة استبطاء النصر وتأخر هلاك الظالمين: قد يتساءل المؤمن المبتلى أو يتبجح الكافر المستهزئ: أين العذاب الموعود؟ فبينت الآية الحكمة العقلية الإلهية؛ فالكون يسير وفق قضاء محكم وتقدير أزلي (الكلمة السابقة)، والله تعالى حليم لا يعجل كعجلة العباد، بل يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ودار الدنيا دار ابتلاء وتمحيص وليست دار القضاء النهائي.
طبيعة الشك المريب: كشفت الآية أن شك المكذبين ليس شك الباحث المنصف عن الحقيقة، بل هو شك مقلق مربك ناتج عن مكابرة الفطرة ومعاندة البراهين؛ فالمرتاب يعيش في قلق وتخبط دائم لا يستقر له قرار.
التوكيدات المتعاقبة بالقسم المقدر وقد {وَلَقَدْ آتَيْنَا}: لتثبيت الحقيقة التاريخية وتحقيق وقوع التسلية في نفس النبي صلى الله عليه وسلم.
الوصف بـ {مُرِيبٍ}: اسم فاعل دال على التعدية؛ أي شك يوقع صاحبه في الريبة وسوء الظن والحيرة والتخبط النفسي، وهو أبلغ من مجرد الشك العارض.
إسناد الكلمة إلى الرب مضافاً إلى كاف الخطاب {مِنْ رَبِّكَ}: تطييب لخاطر النبي صلى الله عليه وسلم وإشعار بأن تأخير القضاء رحمة بالأمة وتدبير من ربه ومربيه وناصره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاقتداء بسير الأنبياء العظام في الصبر على تكذيب المخالفين واختلافهم؛ فالطريق موصول بجهاد الأنبياء وابتلائهم.
الرضا بقضاء الله وقدره واليقين بأن تأخر النصر لحكمة بالغة يستوفي بها العباد آجالهم وتمحص بها الصفوف.
تطهير القلب من الشكوك والريب بالاعتصام بنصوص الوحي؛ فإن الشك مرض يورث الشقاء النفسي في الدنيا قبل خسران الآخرة.