بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 493)جامع البيانالطبري٢١/٤٩٣ معنى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا}؛ فالإلحاد في لسان العرب هو الميل والعدول عن الاستقامة والانحراف عن القصد، ومنه لحد القبر لميله إلى ناحية، والمعنى: الذين يميلون عن الحق في آيات كتابنا وحججه الباهرة بالتحريف والتبديل والطعن والتكذيب والمكاء واللغو، {لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}: تهديد ووعيد شديد؛ أي نحن عالمون بهم وبأعمالهم ومجازوهم عليها بعدلنا.
واختلف السلف في صور الإلحاد المذكورة في الآية:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «هو التكذيب والتبديل؛ يضعون الكلام على غير موضعه».
وقال مجاهد: «هو الشغب واللغو المذكور في قوله: {وَالْغَوْا فِيهِ} والتكذيب به عند التلاوة».
وقال قتادة والسدي: «هو الكفر والعناد والشرك وإسناد القرآن إلى الشعر والسحر».
وقوله: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: قال ابن عباس وقتادة: نزلت مقارنة بين أبي جهل بن هشام (الذي يلقى في النار) وبين عمار بن ياسر أو أبي سلمة بن عبد الأسد أو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر (الذين يأتون آمنين يوم القيامة). والعبرة بعموم اللفظ؛ فكل ملحد يلقى في النار، وكل مؤمن مستقيم يأتي آمناً من الفزع الأكبر.
وقوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}: قال مجاهد وابن كثير: هو أمر تهديد ووعيد وزجر، لا أمر تخيير ولا إباحة؛ كقوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم إن.
{يُلْحِدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة صلة الموصول، وقرئ في السبعة (يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء من لحد يلحد ثلاثياً، وقرئ (يُلْحِدُونَ) بضم الياء وكسر الحاء من ألحد يلحد رباعياً، وهما لغتان بمعنى مال وانحرف وعاند.
{لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}: (لا) نافية، ويخفون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وعلينا متعلق بيخفون، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ).
{أَفَمَنْ}: الهمزة للاستفهام التقريعي التوبيخي، والفاء عاطفة، و(مَنْ) اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُلْقَى فِي النَّارِ}: يلقى فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف ونائب الفاعل مستتر والجملة صلة الموصول، وفي النار جار ومجرور متعلق بيلقى.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَمْ}: حرف عطف متصلة عادلت الهمزة.
{مَنْ}: اسم موصول معطوف على من الأولى في محل رفع.
{يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: يأتي فعل مضارع وفاعله مستتر والجملة صلة، وآمناً حال منصوبة، ويوم ظرف زمان متعلق بيأتي أو بآمناً، والقيامة مضاف إليه.
{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}: فعل أمر للتهديد والوعيد مبني على حذف النون والواو فاعل، و(ما) موصولة مفعول به، وجملة شئتم صلتها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يعود لمنازلة المشركين الذين قالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ}؛ فسمى صنيعهم وشغبهم وطعنهم في دلائل التوحيد إلحاداً وميلاً عن الحق، وهددهم بأن عاقبة هذا الإلحاد هي الإلقاء العنيف في النار.
الموازنة العقلية البديهية {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ...}: وضع الحقيقة أمام العقول مجردة؛ لتدرك البون الشاسع بين المهان الملقى كالحطب في لظى، وبين الآمن المكرّم في ظل عرش الرحمن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير مفهوم الإلحاد القرآني: بينت الآية أن الإلحاد لا يقتصر على إنكار وجود الله في المفهوم المادي المعاصر، بل يشمل كل ميل وانحراف عن صراط الله في آياته؛ سواء بالطعن فيها، أو تحريف معانيها، أو تكذيب نصوصها، أو التعالي عليها بالقوانين البشرية؛ فكل خروج عن الاستقامة هو شعبة من شعب الإلحاد المستوجب للوعيد.
محاكمة التكذيب بصيغة التهكم العقلي {خَيْرٌ}: استخدام لفظ الخيرية هنا تهكم وتوبيخ للملحدين؛ إذ يعلم كل عاقل أنه لا خير قط في الإلقاء في النار، وإنما أفرغت المقارنة في هذا القالب لبيان سفاهة اختيارهم وبطلان مسلكهم الذي يسوقهم إلى العذاب وهم يحسبون أنهم يغلبون.
التعبير بالفعل {يُلْقَى}: إيحاء بالرمي المذل والتحقير الشديد؛ فالكافر يرمى في النار كما يرمى الحجر الخسيس، بخلاف المؤمن الذي يعبر عنه بـ {يَأْتِي} الدال على القدوم باختياره وعزته ووقاره وأمنه.
الأمر في {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}: صيغة أمر خرجت مخرج التهديد الصارم والإنذار النهائي؛ كقول الأب الممتلئ غيظاً لولده العاق: افعل ما شئت فسترى ما أصنع بك!
التذييل بـ {بَصِيرٌ}: إشعار بالإحاطة التامة بجميع حركاتهم وسكناتهم وخفايا إلحادهم، وتنبيه على أن بصر الله محيط بالخلائق لا يعزب عنه مثقال ذرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الأكيد من الطعن في آيات الله أو الاستهزاء بها أو محاولة تحريفها ولي أعناق النصوص لتوافق الأهواء المنحرفة؛ فإن ذلك من الإلحاد المردي في النار.
السعي والاجتهاد لنيل الأمان يوم الفزع الأكبر؛ بالاستقامة والعمل الصالح والتسليم التام لأمر الله والتمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
استشعار رقابة الله البصيرة في كل عمل وقول؛ فالمؤمن يعيش بين الخوف من الإلقاء في النار، والرجاء في الورود آمناً في دار الكرامة.