بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 461)جامع البيانالطبري٢١/٤٦١ أن المعنى: وهذا الظن السيئ الذي ظننتموه بربكم من أنه لا يعلم كثيراً من أعمالكم هو الذي أهلككم وأوردكم النار، فأصبحتم يوم القيامة من الخاسرين الذين غبنوا أنفسهم وأهلوهم منازلهم في الجنة.
وأورد ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 172)مصدر غير محدد٧/١٧٢ عدة أحاديث صحيحة في التحذير من سوء الظن بالله والحث على حسن الظن به:
أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه (رقم 2877)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٧٧ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» (صحيح البخاري، رقم 7405، وصحيح مسلم، رقم 2675).
وروى أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ» (مسند أحمد، رقم 9076، بإسناد صحيح).
وأكد الحسن البصري رحمه الله هذا المعنى الجليل فقال: «إن قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله، وكذبوا؛ لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل»، وتلا هذه الآية: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَذَلِكُمْ}: الواو عاطفة أو استئنافية، واسم الإشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب والميم للجمع.
{ظَنُّكُمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف والكاف مضاف إليه.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع نعت لظنكم.
{ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ}: ظن فعل ماض والتاء فاعل، وبربكم جار ومجرور متعلق بظننتم، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{أَرْدَاكُمْ}: أردى فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الظن، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان لاسم الإشارة أو خبر المبتدأ إذا جعل (ظنكم) بدلاً. والردى في لسان العرب: الهلاك الشديد، يقال: ردي فلان إذا هلك وتردى في البئر إذا سقط في مهلكة.
{فَأَصْبَحْتُمْ}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب والسببية، وأصبح فعل ماض ناقص من أخوات كان والتاء اسمه.
{مِنَ الْخَاسِرِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أصبح، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ربط السبب بالنتيجة: لما ذكر في الآية السابقة جنايتهم العقدية: {وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ}، رتب عليها هنا حكم الهلاك الدنيوي والأخروي: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ}؛ ليعلم أن الاعتقاد الفاسد ليس أمراً نظرياً مجرداً، بل هو أصل كل خسران وبوار.
تكرار مادة الظن {ظَنُّكُمُ} {ظَنَنْتُمْ}: لتقريعهم وتثبيت التبعة عليهم، وبيان أن ما وقعوا فيه من الهلاك إنما كان ثمرة لخيالاتهم الفاسدة لا لظلم وقع عليهم من الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير حقيقة حسن الظن بالله ودفع شبهة الاغترار بالأماني: يخلط كثير من الناس بين حسن الظن الشرعي المحمود وبين الغرور والأماني الكاذبة؛ فالآية بينت أن سوء الظن بصفات الله وبكمال علمه وقدرته يوجب الإرداء والهلاك، ومن صور سوء الظن الإصرار على المعاصي مع ادعاء حسن الظن بالمغفرة دون توبة ولا عمل؛ لأن حسن الظن الحقيقي ينبثق من استشعار كمال عدل الله وحكمته وفضله فيحمل على العمل الصالح والرجاء الخائف، أما إحسان الظن مع إساءة العمل فهو ظن إرجائي فاسد يردي صاحبه في الهاوية كما بين الحسن البصري.
المحاكمة الإيمانية لتعظيم الربوبية: إن الإساءة في حق الرب سبحانه بوصفه بالنقص أو الغفلة مفسدة للدين من أصله؛ فالرب هو المالك المدبر المحيط، فمن ظن به العجز أو الجهل سقطت مهابة الله من قلبه فاجترأ على محارمه فأرداه ذلك الظن.
الإشارة بالبعيد {وَذَلِكُمْ}: للتنبيه على عظم جرم هذا الظن وفظاعته وبعده عن الصواب وسقوطه في درك الغواية.
إسناد الإرداء إلى الظن مجازاً عقلياً: {أَرْدَاكُمْ}؛ فإن المردي والمهلك في الحقيقة هو الله تعالى بعذابه، ولكن أسند الهلاك إلى الظن لأنه السبب المباشر المفضي إليه.
التعبير بـ {فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}: صيغة تفيد التحول والصيرورة إلى الخسران المطلق، وجعلهم (من الخاسرين) أدل على اندراجهم في زمرة الهالكين من قول (فخسرتم).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه القلوب إلى حسن الظن بالله تعالى المبني على التوحيد والعمل الصالح؛ بأن يظن العبد بربه المغفرة عند التوبة، والإجابة عند الدعاء، والقبول عند الطاعة، والكفاية عند التوكل.
الحذر الشديد من وساوس الشيطان التي تلقي في قلب العبد سوء الظن بربه وبقضائه وقدره ووعده ووعيده.
ترسيخ حقيقة أن نجاة الإنسان أو هلاكه معلقة بسلامة قلبه واعتقاده في ربه؛ فمن عرف الله بأسمائه وصفاته أحبه وخافه ورجاه، ومن جهله هلك برداءة ظنه.