بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 516)جامع البيانالطبري٢١/٥١٦ أن المعنى: وإذا تفضلنا على هذا الإنسان الكافر بإنعامنا بالعافية والسعة والرزق والغنى، ولى عن طاعة ربه مستكبراً، وتولى بجانبه معرضاً عن الحق تائهاً في غفلته وفخره، وإذا نزل به الشر من الفقر أو المرض أو الشدة صار كثير الدعاء، متضرعاً طالباً كشف البلاء مبالغاً في الرجاء؛ لا حباً في الله ولا توبة من كفره، بل لرفع الشدة عن بدنه ودنياه فقط.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 186)مصدر غير محدد٧/١٨٦ قوله: {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}: أي تولى عن الانقياد والاتباع، واستكبر بنفسه وتعاظم؛ يقال: نأى بجانبه إذا تباعد وترفع ببدنه ورأسه تكبراً وخيلاء.
وقوله: {فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}: فسرها ابن عباس وقتادة ومجاهد بأن الدعاء العريض هو الدعاء الكثير الواسع الطويل؛ لأن العريض في كلام العرب يستعمل في الشيء المتسع الكثير، مأخوذ من عرض الشيء لاتساعه، وهو ذم له؛ لأنه دعاء اضطرار قائم على المصلحة العاجلة، فإذا كشفت عنه عاد إلى غيه وإعراضه، كقوله تعالى في سورة يونس: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِذَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{أَنْعَمْنَا}: أنعم فعل ماض و(نا) فاعل مبني على السكون.
{عَلَى الْإِنْسَانِ}: جار ومجرور متعلق بأنعمنا، والجملة في محل جر بالإضافة لإذا.
{أَعْرَضَ}: فعل ماض مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره هو، والجملة جواب شرط إذا لا محل لها من الإعراب.
{وَنَأَى}: الواو عاطفة، ونأى فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وفاعله مستتر، ومعنى نأى: بعد وتباعد.
{بِجَانِبِهِ}: الباء للملابسة أو الآلية، وجانبه اسم مجرور والهاء مضاف إليه، والجانب هو الشق والعطف، ونأى بجانبه تمثيل للاستكبار.
{وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ}: معطوفة على إذا الأولى، ومس فعل ماض والهاء مفعول به، والشر فاعل مرفوع بالضمة.
{فَذُو}: الفاء رابطة لجواب شرط إذا، و(ذو) خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فهو ذو)، وهو مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة، والجملة الاسمية جواب شرط إذا.
{دُعَاءٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{عَرِيضٍ}: نعت لدعاء مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو تلخيص إعجازي مذهل لتقلبات الطبيعة البشرية حين تخلو من الإيمان واليقين؛ فرسم مشهدين متقابلين يجسدان قمة الانتكاس واللؤم البشري: الاستكبار والإعراض عند النعمة، والتوسل الطويل والدعاء العريض عند الشدة، ليدل على أن عبودية الكافر عبودية نفعية زائفة مدارها المصلحة العاجلة.
مناسبة هذه الآية لآية سورة الإسراء: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا}؛ ففي الإسراء وصف حال قلبه ونفسه الباطنة (اليأس)، وهنا وصف حال لسانه وجوارحه الظاهرة (الدعاء العريض مع بقاء الكفر والاضطراب)، فالتأمت الآيتان في تصوير باطن الكافر وظاهره تصويراً كاملاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ذم الدعاء في حالة الشدة إذا خلا من الإخلاص والتوبة: قد يقال: أليس الدعاء عند نزول الضر عبادة مأموراً بها؟ فكيف يذم الإنسان هنا على كونه {ذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}؟ والجواب الحاسم: أن الذم لم يتوجه إلى ذات الدعاء والتضرع، بل إلى حال الداعي ولؤمه؛ فإنه في الرخاء متكبر معرض ناءٍ بجانبه لا يذكر الله ولا يشكره، حتى إذا حاق به الضر وضاق به الخناق انبطح وتضرع وأكثر من الدعاء لأجل عافية جسده، فإذا فرج الله عنه عاد فوراً إلى إعراضه واستكباره كأنه لم يدع الله قط؛ فهذا دعاء منافق متلون يعبد الله على حرف، ولا حظ له في عبودية الرضا والافتقار الصادق.
لؤم الإنسان وشهادة سلوكه عليه: المحاكمة العقلية تكشف أن الإنسان الذي يفعل ذلك ساقط المروءة في موازين العقلاء؛ فكيف تقبل أن تترفع عن المنعم وقت رخائك، وتستجديه وقت حاجتك، ثم تنكره بعد العطاء؟!
الاستعارة التمثيلية الحركية في {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}: تجسيد مادي لحالة الكبر والاستعلاء؛ فالمستكبر يلوي عنقه، ويبتعد بجسده، ويولي ظهره لمن يكلمه، فصورت الكلمات هذه الحركة الحسية بدقة فائقة للدلالة على النفور التام من الحق.
الاستعارة في وصف الدعاء بـ {عَرِيضٍ}: استعار العِرض وهو الامتداد الأفقي المتسع للكثرة والتطويل والإلحاح المبالغ فيه؛ وهو تعبير بديع ينبئ عن سعة الدعاء وضخامته من حيث الكمية والامتداد، مع خلوه من عمق الإخلاص وصدق اليقين.
الجناس والتقابل المعنوي بين الإعراض بالجانب وبين بسط الدعاء العريض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تربية النفس على دوام التعرف إلى الله في الرخاء؛ امتثالاً لوصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» (مسند أحمد، وصحيح الجامع).
الحذر من خصلة التلون والنفعية في العبادة؛ فالمؤمن عبد لله في كل حال، يشكر في السراء ويصبر في الضراء ويلهج بالدعاء في الرخاء والشدة على السواء.
إخلاص التوبة والالتجاء؛ بحيث يكون قصد الداعية نيل رضا الله وتطهير القلب، لا مجرد التخلص من الشدة الدنيوية العارضة.