بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 456)جامع البيانالطبري٢١/٤٥٦ أن قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا} غاية لما قبله من حشرهم وسوقهم موزوعين؛ فلما وقفوا على شفير جهنم وأرادوا الإنكار والجحود كما هو دأبهم، ختم الله على أفواههم واستنطق جوارحهم، فشهدت عليهم أسماعهم بما استمعوا إليه من الحرام والتكذيب، وأبصارهم بما نظروا إليه، وجلودهم بما باشروا من المعاصي والآثام.
واختلف السلف في المراد بـ {جُلُودُهُمْ}: فقال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: هي الفروج، كنّى الله عنها بالجلود حياء وستراً. وقال آخرون منهم السدي وابن جرير: بل هي الجلود على ظاهرها وسائر أعضاء الجسد من الأيدي والأرجل والجلود الظاهرة، وهو المعتمد؛ لأن اللفظ عام يشمل الفرج وغيره بدليل الآية التي تليها في استنطاق كل شيء.
وجاء في صحيح مسلم (رقم 2969)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٦٩ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حَتَّى}: حرف غاية وابتداء تدل على انتهاء سيرهم وسوقهم.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{مَا}: صلة زائدة لتأكيد الاتصال والتحقيق عند مجيئهم.
{جَاءُوهَا}: فعل ماض والواو فاعل والهاء مفعول به عائدة على النار، والجملة في محل جر بالإضافة لإذا.
{شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ}: جملة (شهد) جواب إذا لا محل لها، وشهد فعل ماض، و{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بشهد، وتعديته بعلى لتضمن الشهادة معنى الإدانة والمؤاخذة، و{سَمْعُهُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة وهو مضاف والهاء مضاف إليه. وأفرد السمع لأنه مصدر في الأصل يطلق على القليل والكثير، أو لاتحاد المسموع.
{وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ}: معطوفان على السمع مرفوعان بالضمة، وجمعا لتعدد أصحابها أو لتنوع المبصرات والملموسات.
{بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: الباء سببية، و(ما) موصولة أو مصدرية، أي بسبب الأعمال السيئة التي كانوا يقترفونها في الدنيا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد يعقب حشر أعداء الله وسوقهم؛ لبيان أنه مع كثرتهم وتلاحقهم لا يُظلم منهم أحد، ولا يؤاخذ بمجرد الدعوى، بل يقام عليه أدق أنواع القضاء الإلهي العادل بشهود من صميم كيانه لا سبيل إلى تكذيبهم أو ردهم.
التدرج في الشهادة: بدأ بالسمع لأنه أسبق أدوات تلقي البلاغ وأول ما قامت به الحجة لسماع آيات الله، ثم الأبصار لأنها ترى الآيات الكونية والشرعية، ثم الجلود لأنها تباشر الأفعال حساً وتلامساً، فاستوعب جميع مدارك الإنسان وآلات اكتسابه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة: كيف تشهد الجوارح وهي جمادات لا نطق لها ولا إدراك؟ الجواب أن القادر على خلق النطق في اللسان من قطعة لحم لا تعقل قادر على إنطاق الجلد والعظم والسمع والبصر، فإنما النطق خلق من خلق الله يودعه متى شاء في أي جزء من أجزاء الوجود. وقد أثبت العلم الحديث اليوم أن كل خلية في الجسد البشري تحتفظ بسجل جيني وحيوي مشفر يرصد كل ما طرأ عليها، فإذا أذن الله بنطقها باللسان الفصيح كان ذلك أظهر وأبين.
المحاكمة العقلية لإنكار المكذبين: لو شهدت عليهم الملائكة أو الأنبياء لربما ادعوا التهمة والعداوة، فإذا كانت الشهادة صادرة من أبعاضهم وأجزائهم التي كانوا يحرصون عليها ويناضلون من أجل راحتها، انقطعت كل حيلة وبطلت كل معذرة واستقر الحكم بالعدل المطلق.
المجاز والحقيقة في نطق الجوارح: القول الحق أنه نطق حقيقي بلسان فصيح يخلقه الله فيها لا مجرد دلالة حال كما يزعم بعض المتكلمين؛ لقولهم في الآية التالية: {أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}.
التعبير بـ {عَلَيْهِمْ}: يفيد أن الشهادة كانت ضدهم لا لهم، فالجار والمجرور دال على الاستعلاء والمؤاخذة والإلزام.
الإفصاح المذهل عن خيانة الجوارح لصاحبها العاصي؛ فالجوارح التي عصى الله بها واستلذ بمباشرة الحرام من خلالها تنقلب عليه ألد أعدائه وأصدق الشهود على خزاياه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار المراقبة الإلهية الدائمة للجوارح؛ فإن الإنسان يحمل بين جنبيه شهود إدانته؛ فعينه وأذنه ويده ورجله وجلده ستشهد غداً بما صنعت في الخلوات والجلوات.
صيانة الجوارح وحفظها عما يغضب الله؛ فلا يسمع إلا ما يرضي ربه، ولا ينظر إلى الحرام، ولا يباشر بجسده ما حرمه مولاه، استباقاً لذلك اليوم الفاضح.
اليقين بكمال عدل الله تعالى وأنه لا يظلم مثقال ذرة، وأن المحكمة الإلهية يوم القيامة هي المحكمة العادلة التامة التي لا يدخلها جور ولا تزوير.