بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 482)جامع البيانالطبري٢١/٤٨٢ أن الضمير في قوله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا} عائد على هذه الخصلة الكريمة والسجية الحميدة، وهي خصلة دفع الإساءة بالإحسان والحلم عند الغضب والعفو عند المقدرة؛ فما يوفق للاتصاف بهذه الخصلة والعمل بها إلا الذين صبروا على كظم الغيظ وتحمل المكاره لله، وما يلقاها إلا صاحب نصيب وافر وجدٍّ عظيم وسعادة كبرى في الدنيا والآخرة.
وروى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} قال: «الحظ العظيم: الجنة، وقيل: نصيب عظيم من الخير والفضل والسعادة».
وقال قتادة في الآية: «الحظ العظيم: الجنة؛ والله ما عظم الله شيئاً قط أعظم من الجنة، فمن أوتيها فقد أوتي حظاً عظيماً». وقال مجاهد والسدي: أي ذو نصيب وافر من الثواب والبر.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 177)مصدر غير محدد٧/١٧٧ الآية بأن هذا الخلق العظيم لا يقدر عليه كل أحد؛ لأنه يحتاج إلى قهر حظوظ النفس وغرورها، فلا يناله إلا الصابرون المخلصون الذين أعد الله لهم الفوز الأكبر ورضوانه الأعظم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية أو حالية، و(ما) نافية مهملة لوجود إلا.
{يُلَقَّاهَا}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به ثان مقدم، ونائب الفاعل هو المفعول الأول وهو مستتر تقديره (هو) أو الخصلة، والتلقية معناها: التفهيم والتوفيق والتمليك.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل مؤخر (أو فاعل إذا بني الفعل للمعلوم في بعض التوجيهات، والمشهور بناؤه للمجهول)، وجملة {صَبَرُوا}: صلة الموصول.
{وَمَا يُلَقَّاهَا}: معطوفة على الجملة السابقة بإعرابها ونظمها تأكيداً لحصر هذا المقام الرفيع.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{ذُو}: نائب فاعل مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة (الخمسة)، وهو مضاف.
{حَظٍّ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، والحظ هو النصيب والجد من الخير.
{عَظِيمٍ}: نعت لحظ مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يعقب الأمر بالدفع بالأحسن مباشرة؛ ليدل على واقعية التشريع القرآني ودقته في معرفة طبائع النفوس؛ فلما أمر بخلق شاق على الطبع البشري وهو العفو ومقابلة الإساءة بالإحسان، بين سبحانه أن هذا المقام ليس سهلاً مبذولاً لكل مدع، بل هو ذروة سامية تتطلب صبراً عظيماً ودرجة عالية من توفيق الله وفضله، لئلا ييأس المرء إذا وجد من نفسه صعوبة في البداية، وليجاهد نفسه لبلوغ هذا الحظ العظيم.
تكرار جملة النفي والحصر {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا... وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا}: إبراز لعظمة هذا الخلق وتأكيد لصعوبته وفضيلته، وتحفيز للهمم العالية للتسابق إلى تحصيله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة الجبر والتواكل في مفهوم الحظ: قد يظن بعض قاصري الفهم أن وصف المنال بـ {ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} يعني أنه مجرد قسمة عشوائية بختية لا دخل للعمل فيها، وهذا دحضه القرآن بقرنه الحظ بالصبر {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا}؛ فالصبر عمل وجهاد واكتساب، فمن صبر وجاهد هواه وكظم غيظه ابتغاء مرضاة الله، كافأه الله بأن جعله من أصحاب الحظ العظيم من التوفيق والكرامة في الدارين؛ فالحظ هنا هو العطاء الإلهي المترتب على المجاهدة والصبر، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.
الحظ العظيم ليس المال ولا المنصب: تصحيح الموازين الجاهلية؛ فالناس في الجاهلية يعدون ذا الحظ هو صاحب الثروة والسلطان والرياسة، فبين القرآن أن الحظ الحقيقي الأعظم هو كمال الأخلاق وسكينة النفس ونيل رضوان الله والجنة.
أسلوب القصر والحصر المزدوج: استخدام (ما) النافية و(إلا) في الموضعين يفيد قصر التوفيق لهذه الخصلة على الصابرين وأصحاب النصيب الوافر، وهو من أبلغ أساليب التعظيم والتشريف.
البناء للمجهول في {يُلَقَّاهَا}: للدلالة على أن التلقية منة وتوفيق محض من الله سبحانه؛ فالعبد يبذل الصبر والله يفيض عليه من كرمه التلقية والقبول.
التنكير في {حَظٍّ} والوصف بـ {عَظِيمٍ}: تنكير تعظيم وتفخيم، ووصفه بالعظيم من الرب العظيم يدل على ما لا تحيط به العقول من الخير والرفعة في الدنيا وثواب الآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مجاهدة النفس على الصبر؛ فالصبر مفتاح كل مكرمة، ومن يتصبر يصبره الله، ولن يبلغ العبد معالي الأمور إلا بجرعات مريرة من الصبر على الأذى في سبيل الله.
التطلع الدائم إلى الحظوظ الأخروية الباقية، والاستهانة بالحظوظ الدنيوية الفانية؛ فإن الفائز الحقيقي هو من زحزح عن النار وأدخل الجنة وتخلق بأخلاق النبوة.
كثرة الدعاء واللجوء إلى الله بأن يرزق العبد الحلم والأناة وحسن الخلق، فإن الأخلاق مواهب يقسمها الله بين عباده كما يقسم الأرزاق.