بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 480)جامع البيانالطبري٢١/٤٨٠ أن المعنى: لا تستوي طاعة الله والعمل بمرضاته (الحسنة)، ومعصية الله والشرك به والاعتداء (السيئة)، لا في الجزاء ولا في الآثار والنتائج، ثم وجه الله نبيه والمؤمنين إلى أدب الدعوة الرفيع فقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}؛ أي ادفع جهل من جهل عليك بحلمك، وإساءة من أساء إليك بعفوك وإحسانك، وغضب من غضب عليك بكظم غيظك.
وروى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قال: «أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة؛ فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم حتى يصير {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}».
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 177)مصدر غير محدد٧/١٧٧ قوله: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}: أي إذا أحسنت إلى من أساء إليك، قادت تلك الحسنة قلبه وفطرته إلى مودتك ومحبتك والرأفة بك، حتى يصير في محبته ونصرته لك كأنه قريب مشفق وصديق مخلص حميم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَا تَسْتَوِي}: الواو استئنافية، و(لا) نافية، وتستوي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل.
{وَلَا السَّيِّئَةُ}: الواو عاطفة، و(لا) لتأكيد النفي، و{السَّيِّئَةُ}: معطوف على الحسنة مرفوع، ودخول لا لتأكيد التباين التام بينهما، والمعنى: لا يستوي جنس الحسنات وجنس السيئات.
{ادْفَعْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
{بِالَّتِي}: الباء حرف جر للاستعانة أو الإلصاق، و(التي) اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلق بادفع، والتقدير: ادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن.
{هِيَ أَحْسَنُ}: هي ضمير منفصل مبتدأ، وأحسن خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{فَإِذَا}: الفاء سببية رابطة لجواب مقدر أو تعقيبية، و(إذا) فجائية قائمة مقام الجواب.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{بَيْنَكَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول أو بمحذوف خبر مقدم للمبتدأ عداوة، والكاف مضاف إليه.
{وَلِيٌّ}: خبر كأن مرفوع بالضمة، و{حَمِيمٌ}: نعت مرفوع بالضمة. وجملة كأن واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ (الذي). والحميم في كلام العرب هو القريب المشفق الحار المودة المشتق من الحامة وهي القرابة أو الحرارة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإرشاد النبوي والدعوي البليغ هو المنهج العملي التطبيقي لمقام الداعية المذكور في الآية السابقة {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا}؛ فالداعية الذي يدعو إلى الله لا بد أن يلقى أذى وسفهاً وجهلاً من المعاندين، فإن قابل سيئتهم بسيئة مثلها انقطعت حبال الدعوة واشتعلت نار الخصومة، أما إذا قابل السيئة بالحسنة ملك القلوب وحول العدو إلى نصير.
التقديم بنفي الاستواء {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ}: تأسيس عقلي بديهي يمهد للنفس قبول هذا التكليف الشاق؛ فالحسنة نور ونفع وخير، والسيئة ظلمة وضر وشر، ومن المستحيل أن يستويا في العقل أو الطبع أو الجزاء، فلما استقر هذا التباين ترتب عليه الأمر بالدفع بالأحسن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحويل العداوة إلى ولاية عبر علم النفس الفطري: قرر القرآن قانوناً نفسياً وسلوكياً فائق الإعجاز؛ فالإنسان مفطور على حب من أحسن إليه وبغض من أساء إليه، فإذا وجد المعتدي أن الطرف المقابل لا يقابل إساءته بالعدوان بل يقابلها بالحلم والتسامح والإنعام، انكسرت حدة كبريائه وأحس بالخجل وتأنيب الضمير، فيتحول ذلك الغيظ تدريجياً إلى إعجاب ثم إلى مودة وموالاة.
دفع توهم أن العفو ضعف أو هوان: قد يوسوس الشيطان للمرء بأن الدفع بالأحسن ذلة وضعف، ولكن الواقع الشرعي والعقلي يثبت أن الحلم وكظم الغيظ هو منتهى الشجاعة والقوة النفسية؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (صحيح البخاري، رقم 6114، وصحيح مسلم، رقم 2609)، وقال: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» (صحيح مسلم، رقم 2588)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٥٨٨.
التشبيه البليغ في {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}: تصوير بديع للتحول الجذري في العلاقة الإنسانية؛ فلم يقل (فيصير ولياً) بل شبهه بالحميم وهو القريب المشفق الملازم المحب، للدلالة على رسوخ المودة وصدقها بعد العداوة الشديدة.
مفاجأة الجزاء بـ {إِذَا} الفجائية: للدلالة على سرعة أثر الإحسان في تبديل مشاعر النفوس وقلب موازين العداوة إلى نصرة وحميمية كأن الأمر يقع فجأة وبغير انتظار طويل.
صيغة التفضيل في {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: لم يقل (بالحسنة) بل قال (بالتي هي أحسن)؛ مبالغة في اختيار أرقى درجات الصفح والإحسان، فإذا أمكن رد الجهل بالسلام، أو رد الأذى بالهدية والمعونة كان ذلك أكمل وأوقع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدرب على كظم الغيظ ومقابلة الإساءة بالإحسان في المعاملات اليومية والدعوية؛ فإن هذا الخلق هو الذي فتح قلوب كفار قريش للإسلام حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً فقال لهم: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».
التمييز بين العفو عن الحق الشخصي وبين التنازل عن مبادئ الدين؛ فالإحسان المطلوب هو في مقابلة الأذى الشخصي والشتم والاعتداء الفردي استمالة للقلوب، أما ثوابت الشريعة وأحكامها فلا مداهنة فيها.
استحضار الأثر الاجتماعي العظيم لنشر ثقافة التسامح ودفع الضغائن لإشاعة السلم والألفة بين أفراد المجتمع المسلم.