فسر ابن جرير الطبري في (تفسيره، ج 21، ص 448)مصدر غير محدد٢١/٤٤٨ {رِيحًا صَرْصَرًا} بأنها الريح الشديدة الصوت التي لها صرصرة وجلبة عظيمة، وقيل: الشديدة البرد التي تحرق ببردها إحراق النار، نقله عن مجاهد وقتادة والضحاك والسدي.
وفي قوله تعالى: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}: أورد الطبري بسنده عن ابن عباس وقتادة أنها أيام مشئومات نكدات تتابع عليهم فيها العذاب، وهي الأيام السبعة والليالي الثمانية المذكورة في سورة الحاقة: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا}. وليست النحوسة لذات الأيام، بل لما نزل بهم فيها من البلاء والعذاب المستأصل.
وعن ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 170)مصدر غير محدد٧/١٧٠: {لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ}: أي الهوان والذل؛ لأنهم استكبروا بقوتهم وتعالوا على الخلق، فقابلهم الله بالخزي وهو الإهانة الفاضحة بين العالمين، وريح الدبور أهلكتهم كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» (صحيح البخاري، رقم 1035، وصحيح مسلم، رقم 900).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَرْسَلْنَا}: الفاء عاطفة مفرعة للجزاء على الجريمة، وأرسل فعل ماض مبني على السكون، و(نا) ضمير متصل فاعل.
{رِيحًا}: مفعول به منصوب، و{صَرْصَرًا}: نعت منصوب، والصرصر مأخوذ من الصَّرَّة وهي الشدة أو الصوت والصيحة، أو من الصِّرّ وهو البرد القارس، وتكرير الفاء والعين (صرصر) يفيد التكثير والشدة.
{فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}: الجار والمجرور متعلق بأرسلنا، و(نَحِسَاتٍ) قرئت بكسر الحاء (نَحِسَاتٍ) صفة لأيام وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم، وقرئت بسكون الحاء (نَحْسَاتٍ) وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي. ومعناها ذات نحس وشؤم وبلاء عليهم.
{لِنُذِيقَهُمْ}: اللام لام التعليل، ونذيق فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به أول، و{عَذَابَ}: مفعول به ثان، و{الْخِزْيِ}: مضاف إليه مجرور.
{وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى}: الواو حالية أو استئنافية، واللام لام الابتداء تفيد التوكيد، و(عذاب) مبتدأ مرفوع، و(الآخرة) مضاف إليه، و{أَخْزَى}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر، وهو اسم تفضيل أي أشد إذلالاً وفضيحة.
{وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ}: الواو حالية، و(هم) مبتدأ، وجملة (لا ينصرون) خبره في محل رفع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت العقوبة من جنس ذنبهم ومقابلة لتبجحهم؛ فحينما قالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}، سلط الله عليهم جنداً لطيفاً رخواً لا يرى وهو الريح، وجعلها تعصف بهم حتى صرعتهم كأنهم أعجاز نخل خاوية، فكان في ذلك غاية إذلالهم وكسر كبريائهم.
ناسب ذكر {عَذَابَ الْخِزْيِ} استكبارهم الباطل؛ لأن المستكبر يطلب الرفعة والشرف، فعوقب بأشد ما ينقض مطلبه وهو الخزي والفضيحة والذلة في الدنيا قبل الآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع توهم شؤم الأيام لذاتها أو اعتقاد التنجيم والنحوسة الزمانية: بيّن أئمة التحقيق (كالطبري والقرطبي وابن تيمية) أن وصف الأيام بأنها (نحسات) لا يعني أن في دورات الفلك أو أيام الأسبوع يوماً منحوساً بذاته يجلب الشؤم للناس كما يزعم المنجمون وأهل الجاهلية؛ وإنما كانت نحسات على عاد خاصة بما حل بهم فيها من بوار ونكال لكفرهم، بينما كانت تلك الأيام بعينها أيام نصر وبركة ونجاة لهود عليه السلام ومن معه من المؤمنين. فالزمان ظرف محايد تخلقه إرادة الله، وإنما يشقى العبد أو يسعد بعمله.
التناسب العقلي بين العقوبة المادية والهوان النفسي: لم تكن العقوبة مجرد إهلاك جسدي بل قيدت بـ {الْخِزْيِ}، ليعلم الجبارون أن العذاب النفسي الناتج عن تحطيم الغرور وسقوط الهيبة أشد إيلاماً على النفوس المتكبرة من مجرد الموت.
الاستعارة المكنية التخييلية في {لِنُذِيقَهُمْ}: شبه العذاب بطعام مر كريه يذاق، وفيه تجسيد لمعاناة الألم حتى يصل إلى حس الذوق الذي هو أدق الحواس في إدراك الطعوم.
التقابل البديعي بين ادعائهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} وبين الحكم عليهم: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ}؛ فنفى عنهم كل ناصر ودفع، وأثبت لهم مطلق الذلة والهوان.
التوكيد بلام الابتداء في {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى}: لتحقيق أهوال المعاد في نفوس السامعين حتى لا يظن ظان أن ما أصابهم في الدنيا كافٍ في مجازاتهم، بل خزي الآخرة أعظم وأبقى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ الخوف من بأس الله المفاجئ؛ فإن الله يسلط ألطف مخلوقاته فيهلك بها أعتى الجبابرة، والريح نعمة يرسلها بشراً بين يدي رحمته، وقد يقلبها عذاباً صرصراً يدمر كل شيء بأمره.
وجوب التوكل على الله والاستعاذة به عند هبوب الرياح؛ اقتداء بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث كان إذا عصفت الريح قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» (صحيح مسلم، رقم 899)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٨٩٩.
هوان الدنيا وزوال مجدها الزائف؛ فكل قوة لا تبنى على تقوى الله مصيرها إلى الخزي والاندثار.