بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 477)جامع البيانالطبري٢١/٤٧٧ أن النُّزُل في كلام العرب هو ما يُهيأ للضيف من الكرامة والقرى عند نزوله، والمعنى: جعل الله لكم هذا النعيم المقيم وما تشتهيه أنفسكم ضيافة وكرامة وعطاء من إله غفور لذنوبكم رحيم بكم وبأنفسكم.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 176)مصدر غير محدد٧/١٧٦ الآية بأن هذا النعيم الجزيل كله إنما هو ضيافة وإنعام وبر وإحسان صادر من رب غفور ستر العيوب والزلات، رحيم أسبغ النعم وتفضل بالخيرات، فغفر الذنب ورحم بنيل أعلى الدرجات.
وأوضح السعدي في (تيسير الكريم الرحمن، ص 749)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٧٤٩: فالنزل هو القرى والضيافة، فكل ما في الجنة من النعيم هو نزل وضيافة من الرب الغفور الرحيم، وإذا كان هذا نزلهم وضيافتهم فما الظن بما وراء ذلك من الرضوان الأكبر ورؤية وجه الله الكريم؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{نُزُلًا}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (أنزلناكم نزلاً)، أو حال منصوبة من (ما تشتهي) و(ما تدعون)، أو مفعول به ثان لفعل محذوف، أو تمييز منصوب بالفتحة. والنُّزُل بضمتين وبضم فسكون (نُزْلاً) اسم للضيافة والرزق والمعد للنزيل.
{مِنْ غَفُورٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لنزلاً؛ أي نزلاً كائناً من رب غفور.
{رَحِيمٍ}: نعت ثان لغفور مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم البديع يتوج أوصاف النعيم المذكورة في الآيتين السابقتين؛ فبعد أن بين أن لهم فيها ما تشتهيه أنفسهم وما يدعون، ختم ذلك ببيان مصدر هذا النعيم وجوهره؛ بأنه ليس مجرد حظ نالوه، بل هو ضيافة ملكية من رب رحيم غفور، وهذا أعظم في الفرح النفسي من مجرد النعيم المادي.
التذييل بالصفتين {غَفُورٍ رَحِيمٍ}: يناسب تماماً حاجة المؤمن؛ فالعبد مهما استقام فإنه لا يخلو من تقصير وزلل، فيحتاج إلى المغفرة لمحو ما سلف، وإلى الرحمة لإيصال الخيرات وجزيل الدرجات والخلود في النعيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجمع بين العمل الصالح ومحض الفضل الإلهي: قد يتوهم متوهم أن الجنة تُستحق استحاقاً واجباً بالعمل الصالح كأجرة الأجير، فجاء التعبير بـ {نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} ليدل دلالة عقلية وشرعية قاطعة على أن دخول الجنة ونيل نعيمها إنما هو بفضل الله ورحمته وضيافته الكريمة؛ كما في الحديث الصحيح: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (صحيح البخاري، رقم 5673، وصحيح مسلم، رقم 2816). فالعمل سبب وضيافة الله هي الفضل والغاية.
دلالة النزل على ما وراءه: في لغة العرب النزل هو ما يقدم للضيف ابتداء عند وصوله، فإذا كان هذا النعيم الهائل هو مجرد الضيافة الأولى، فما بالكم بما أعده الله لهم من الكرامة العظمى التي لا تحد ولا توصف بعد الاستقرار في دار السلام؟!