بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 514)جامع البيانالطبري٢١/٥١٤ أن المعنى: ولئن كشفنا عن هذا الإنسان الضر الذي أصابه، وأبدلناه به صحة وسعة وغنى ورخاء برحمة منا وفضل، ليقولن بجهله وغروره وكفرانه للنعمة: {هَذَا لِي}؛ أي هذا أوتيته باستحقاقي وأني أهل له وكرامة لي عند الله لفضلي وعلمي (كنحو مقالة قارون: إنما أوتيته على علم عندي)، ويجحد نسبة الفضل إلى المنعم سبحانه.
وقوله: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً}: يكذب بالبعث والقيامة مغتراً بسلامة دنياه، ثم يبني على فرضه الباطل تمنياً وغروراً فيقول: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى}؛ أي لئن كان هناك بعث كما يزعم الأنبياء، فلا بد أن يعطيني ربي في الآخرة أفضل مما أعطاني في الدنيا؛ ظناً منه أن الإنعام الدنيوي دليل على الرضا الأخروي.
فرد الله تعالى عليه بوعيد صارم قاطع: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}: أقسم الله سبحانه ليخبرن هؤلاء الكفار بفضائح أعمالهم ومقالاتهم الشنيعة، وليذيقنهم في جهنم عذاباً غليظاً ثقيلاً متراكماً لا يقادر قدره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَذَقْنَاهُ}: أذاق فعل ماض ينصب مفعولين مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا) فاعل والهاء مفعول به أول.
{رَحْمَةً}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مِنَّا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لرحمة.
{مِنْ بَعْدِ}: جار ومجرور متعلق بأذقناه، وهو مضاف و{ضَرَّاءَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف لألف التأنيث الممدودة.
{مَسَّتْهُ}: فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة في محل جر نعت لضراء.
{لَيَقُولَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، ويقولن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر وجواب القسم أغنى عن جواب الشرط.
{هَذَا لِي}: اسم إشارة مبتدأ، ولي جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مقول القول في محل نصب.
{وَمَا أَظُنُّ}: الواو عاطفة أو حالية، وما نافية، وأظن فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنا.
{وَلَئِنْ رُجِعْتُ}: الواو عاطفة واللام موطئة ورجعت فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم والتاء نائب فاعل.
{إِلَى رَبِّي}: متعلق برجعت.
{إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى}: إنّ حرف توكيد ونصب، ولي جار ومجرور خبر إنّ مقدم، وعنده ظرف متعلق بمحذوف حال، واللام المزحلقة للتوكيد، و{الْحُسْنَى}: اسم إنّ مؤخر منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، والمراد بها الجنة والكرامة بزعمه.
{فَلَنُنَبِّئَنَّ}: الفاء فصيحة عاطفة واللام واقعة في جواب قسم مقدر، وننبئن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وفاعله نحن.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: اسم موصول مفعول به وجملة كفروا صلته.
{بِمَا عَمِلُوا}: جار ومجرور وصلة متعلق بننبئن.
{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ}: معطوفة على فلننبئن بنظمها.
{مِنْ عَذَابٍ}: جار ومجرور متعلق بنذيقنهم أو مفعول به ثان ومن للتبعيض أو للبيان.
{غَلِيظٍ}: نعت لعذاب مجرور بالكسرة، والغليظ هو الشديد الشاق المتكاثف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تواصل الآية الكريمة فضح نفسية الكافر ومسالكه العوجاء عند تبدل الأحوال؛ فبعد أن بين قنوطه عند مس الضر، بين هنا بطره واغتراره عند مس الرحمة والرخاء، واعتداءه على مقام الربوبية بإنكار الآخرة وادعاء الاستحقاق الذاتي.
رد العجز على الصدر في مقابلة (الإذاقة): قابل إذاقة الرحمة المستهان بها {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً} بإذاقة العذاب الغليظ المحتم {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}، جزاء وفاقاً لكفرانه واستكباره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة التلازم بين العطاء الدنيوي والرضا الأخروي: تفضح الآية وهماً قديماً يتجدد في عقول الماديين وأهل الجاهلية؛ وهو ظنهم أن كثرة الأموال والصحة والتمكين في الدنيا دليل على محبة الله ورضاه واستحقاق الجنة في الآخرة! فرد القرآن بأن الدنيا يعطيها الله لمن يحب ولمن لا يحب استدراجاً وابتلاءً، ولا يعطي الدين والإيمان إلا لمن يحب، وأن النعيم الدنيوي مع الكفر مستدرج لصاحبه إلى أسوأ العقاب، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ}.
جناية نسبة الفضل للنفس {هَذَا لِي}: إنكار الكافر لفضل الله ونسبته النعمة لذكائه أو استحقاقه هو أصل الطغيان البشري، والمحاكمة الإلهية تثبت أن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأن كل ما بيده من نعمة هو عارية مستردة وهبة محضة من الله.
الإيجاز في قوله: {هَذَا لِي}: كلمتان تجسدان منتهى الأنانية والاستحقاقية الكاذبة؛ فلم يقل (هذا من فضل الله) بل نسبه لذاته استكباراً.
التوكيدات الثلاثية في الوعيد: (القسم المقدر، اللام، نون التوكيد الثقيلة) في {فَلَنُنَبِّئَنَّ} و{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ}: للدلالة على حتمية العقاب وفجاءته وعمومه واستيعابه لكل كافر مغتر.
الاستعارة في وصف العذاب بـ {غَلِيظٍ}: استعار الغلظة وهو الثقل والكثافة في الأجسام المادية لشدة العذاب وألمه المتراكم الذي يطبق على أنفاس المعذب فلا يجد متنفساً ولا خلاصاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعم الله وإسناد الفضل لأهله؛ فإذا أنعم الله على العبد برحمة بعد ضراء، فالواجب أن يقول بلسان الذل والاعتراف: «هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ».
الخوف الدائم من الاستدراج بالنعم؛ فليس كل عطاء رضا، بل قد يكون الإنعام بلاءً ومحنة تتطلب الحذر والوجل.
اليقين بحقيقة البعث والجزاء، وأن ما يناله الكافر في الدنيا من لذائذ ليس إلا متاعاً قليلاً يعقبه خلود في عذاب غليظ.