بين الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 446)جامع البيانالطبري٢١/٤٤٦ أن قوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} تفصيل لما أجمل في قوله آنفاً: {صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}؛ فبين سبحانه علة استحقاقهم لتلك الصاعقة المدمرة، وهو استكبارهم على خلق الله وعصيانهم لرسولهم هود عليه السلام بغير موجب ولا حق يقتضي استعلاءهم، بل بمحض البغي والعتو.
وقولهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}: ذكر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 169)مصدر غير محدد٧/١٦٩ أن عاداً فتنوا ببسطة أجسادهم وشدة بأسهم وعظمة مبانيهم، فغرتهم قوتهم المادية فظنوا أن أحداً لن يقدر عليهم، فرد الله تعالى عليهم محتجاً بحقيقة الخلق: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}، فالخالق للشيء المانح للقوة لا بد أن يكون أبلغ قوة وأعظم قدرة من مخلوقه؛ فكيف يغيب عن بديهة عقولهم هذا الأصل الجلي؟!
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال في قوله: {وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}: جحدوا دلائل الله وحججه الواضحة التي جاءهم بها نبيهم، فاستكبروا بقوتهم عن الانقياد للحق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَمَّا}: الفاء فصيحة مفصحة عن شرط مقدر، و(أما) حرف تفصيل وتوكيد متضمن معنى الشرط، و{عَادٌ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وجملة {فَاسْتَكْبَرُوا}: خبر المبتدأ دخلتها الفاء وجوباً لوقوعها في جواب (أما).
{بِغَيْرِ الْحَقِّ}: الباء للملابسة أو السببية، أي استكباراً متلبساً بالباطل المحض؛ إذ لا يكون الاستكبار بحق قط، ولكن قيد بذلك تأكيداً لقبح صنيعهم وبياناً لشناعة اغترارهم.
{مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}: (مَنْ) اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ، و{أَشَدُّ}: خبر مرفوع، و{مِنَّا}: جار ومجرور متعلق بأشد، و{قُوَّةً}: تمييز منصوب بالفتحة مميز لاسم التفضيل.
{أَوَلَمْ يَرَوْا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة على مقدر، و(لم) حرف نفي وجزم وقلب، و(يروا) فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والرؤية قلبية علمية تعلق عن العمل بالاستفهام أو سدت (أنّ) وما دخلت عليه مسد مفعوليها.
{أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}: (أنّ) حرف توكيد ونصب، ولفظ الجلالة اسمها، و{الَّذِي}: نعت للفظ الجلالة، وجملة {خَلَقَهُمْ}: صلة الموصول، و{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ خبره {أَشَدُّ}، و{مِنْهُمْ}: متعلق بأشد، و{قُوَّةً}: تمييز، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي يروا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما خوف المشركين في الآية السابقة بصاعقة عاد وثمـود، ثنى هنا ببيان كاشف لجريمة كل من الأمتين؛ فبدأ بعاد لأنها أقدم عهداً وأعظم بطشاً وأظهر تبجحاً بالقوة المادية التي يشبههم فيها صناديد قريش.
جاء التعبير بالموصول وصفته: {الَّذِي خَلَقَهُمْ}: تعريضاً بسخافة عقولهم؛ إذ كيف يغفل العاقل عن أن مانح القوة هو واهبها، وأن المخلوق محاط بقدرة خالقه؟ ففي إيراد صفة الخلق حجة دامغة تدل على استحقاق الخالق وحده للتعظيم والانقياد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة الاغترار بالقوة المادية والمنعة العددية: ظنت عاد أن تفوقهم العضري والبدني يجعلهم في مأمن من العقاب، فكشف القرآن هذا الزيف العقلي بقاعدة بديهية: (العلة الفاعلة أعظم من المعلول)، فالذي وهبهم هذه القوة وصور أبدانهم هو الذي أودع فيهم تلك القدرة، وموجد القوة قادر على سلبها وإفنائهم بأضعف جنوده كالريح التي لا ترى بالعين.
محاكمة كبرياء الطغيان: إن عتو الجبابرة ينشأ دوماً من عمى البصيرة عن استشعار عظمة الإله الخالق؛ فإذا حصر الإنسان نظره في أقرانه من المخلوقين ظن نفسه القاهر، ولو رفع طرفه إلى عظمة جلال الله لعلم أنه هباء منثور.
الاستفهام في {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}: استفهام خرج مخرج التبجح والتعالي ونفي أن يكون في الوجود قاهر يقدر عليهم، وقوبل باستفهام إلهي تقريعي توبيخي: {أَوَلَمْ يَرَوْا} لهدم بنيان غرورهم من أصله.
الإسناد بالموصول {الَّذِي خَلَقَهُمْ}: إيجاز بليغ يحمل برهان القضية في طياته؛ فالخلق يستلزم كمال القدرة واستحالة مضاهاة المخلوق لخالقه في صفة من صفات الكمال.
التذييل بقوله: {وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}: تنبيه على أن الكبر هو الصارف الحقيقي لهم عن الإيمان، فالجحود إنكار لما استيقنته نفوسهم استكباراً وعلواً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الجازم من فتن الحضارة والقوة المادية؛ فإن أعظم أسباب هلاك الأمم والدول اغترارها بتفوقها العسكري أو الصناعي واستعلاؤها على الضعفاء، واستنكافها عن الخضوع لأمر الله وشرعه.
استحضار المؤمن لعظمة ربه وقوته كلما رأى استعلاء ظالم أو بطش متكبر؛ فإن أشد الخلق قوة ليس إلا ذرة حقيرة في ملكوت القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
التربية على التواضع للحق والانقياد لبراهينه، وإدراك أن الجحود بالآيات مرض قلبي متولد من الكبر، وأن التواضع للخالق يثمر البصيرة والنجاة.