افتتح الله تبارك وتعالى هذه السورة الكريمة بحمده والثناء على نفسه بما هو أهله من صفات الكمال ونعوت الجلال، مقرراً انفراده بخلق العالم العلوي والسفلي، وتدبير أمر الملائكة المقربين.
أخرج ابن جرير الطبري في «جامع البيان» (20/ 435)جامع البيانالطبري٢٠/٤٣٥ بسنده الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها! يقول: أنا ابتدأتها»، فدل ذلك على أن «فاطر» هو المبتدئ للخلق على غير مثال سابق، والموجد للأشياء من العدم.
وقوله: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا}: قال قتادة وابن زيد والسدي: جعلهم رسلاً بينه وبين أنبيائه في تبليغ الوحي، ورسلاً في تنفيذ مقاديره وأوامره الكونية كقبض الأرواح، وسوق السحاب، وتدبير شؤون الخلائق بأمره وإذنه.
وقوله: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}: أجنحة يطيرون بها مسرعين في إنفاذ أمر الله، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة.
ثبت في «صحيح البخاري» (رقم 4856)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٤٨٥٦ و«صحيح مسلم» (رقم 174)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٧٤ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أن محمداً ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح»، وروى أحمد في «المسند» (رقم 3918)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٣٩١٨صحيح بسند صحيح عن ابن مسعود: «رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم».
وقوله: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}: قال الزهري وابن جريج وقتادة: يزيد في أجنحة الملائكة وفي قواهم وعظم أجرامهم ما يشاء. وقال ابن عباس والجمهور: هو عام في جميع المخلوقات؛ يزيد في حسن الصورة، والصوت الحسن، والجسامة، والعقل، والفضل، والقوة، ما تقتضيه حكمته وإرادته المطلقة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْحَمْدُ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد الثابتة لله أزلاً وأبداً. {لِلَّهِ}: اللام حرف جر دال على الاستحقاق والاختصاص، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره كائن أو مستقر.
{فَاطِرِ}: نعت أو بدل من اسم الجلالة، مجرور وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف. و«فاطر» اسم فاعل من «فطر» بمعنى شق وابتدأ، وأصل الفطر في لسان العرب: الشق ابتداءً، ومنه فطر الناب إذا شق اللحم وخرج، وتفطر الشيء إذا تشقق، فالفاطر هو الذي شق ظلمة العدم بنور الوجود فأبدع السماوات والأرض بلا احتذاء ولا مثال.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. {وَالْأَرْضِ}: معطوف على السماوات مجرور.
{جَاعِلِ}: نعت ثانٍ لاسم الجلالة، مجرور وعلامة جره الكسرة. و«جاعل» اسم فاعل، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله تعالى.
{الْمَلَائِكَةِ}: مضاف إليه مجرور لفظاً منصوب محلاً لأنه مفعول به أول لاسم الفاعل، أو هو مفعول به أول مباشرة، والأصل في الإضافة أنها لفظية لا تفيد تعريفاً لأن اسم الفاعل هنا مستمر الدلالة أو مراد به الحال والاستقبال.
{رُسُلًا}: مفعول به ثانٍ لاسم الفاعل {جَاعِلِ} منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أُولِي}: نعت لـ {رُسُلًا} منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{أَجْنِحَةٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، وجمع جناح وهو ما يطير به الطائر، واستعير هنا لما ينهض به الملك في مروره وسرعته ونفاذ مهامه الملكوتية.
{مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}: صفات لـ {أَجْنِحَةٍ} مجرورة بفتحة مقدرة على الألف في «مثنى» وفتحة ظاهرة في «ثلاث ورباع» لأنها ممنوعة من الصرف للعدل والوصفية، وهي معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة.
{يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}: جملة مستأنفة مقررة لإطلاق القدرة الإلهية، {يَزِيدُ}: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، {فِي الْخَلْقِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَزِيدُ}، {مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة {يَشَاءُ} صلة الموصول لا محل لها.
{إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: جملة تعليلية مؤكدة، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {اللَّهَ}: اسمها منصوب، {عَلَىٰ كُلِّ}: متعلق بـ {قَدِيرٌ}، و{قَدِيرٌ}: خبر «إن» مرفوع بالضمة، صيغة مبالغة تفيد كمال القدرة وعمومها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقع هذه الآية في مطلع السورة مسك الختام للمجموعات الخمس المفتتحة بالحمد في القرآن الكريم، وتتصل اتساقاً تاماً مع ختام سورة سبأ؛ فبعد أن بين الله تعالى في أواخر سبأ هلاك المشركين وحيلولتهم عن مشتهاهم وعجز شركائهم، افتتح فاطر بإعلان حمده على خلق أصل الوجود الكوني (السماوات والأرض) وتدبير العالم الغيبي اللطيف (الملائكة).
جاء التدرج بديعاً: بدأ بـ {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وهو الخلق الأكبر الجامع للجمادات والأفلاك، ثم ثنّى بـ {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} وهم أشرف الخلائق الروحانية وأعظم الجند الملكوتي، ثم بيّن تفاوت قواهم وسرعاتهم بذكر الأجنحة، ثم ختم بالقاعدة العامة: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}، ليدل على أن هذا النظام ليس جامداً بل هو خاضع للمشيئة الإلهية المتجددة في كل لحظة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة التشبيه في أجنحة الملائكة: زعم بعض المنحرفين والماديين أن إثبات الأجنحة للملائكة يستلزم التجسيم والتشبيه بالطيور.
رد الإشكال والمحاكمة البرهانية: يقرر علماء أهل السنة كابن كثير والقرطبي والرازي أن إثبات صفة الأجنحة للملائكة هو من الإيمان بالغيب الثابت بالنص القرآني القطعي، ولا يلزم من إثبات الجناح مماثلة أجنحة الطيور المعهودة ذوات الريش واللحم والعظم، فالملائكة مخلوقات نورانية ذات لطافة وقوة روحية مهيبة، وأجنحتها تناسب ذواتها النورانية ووظيفتها في خرق الأكوان والسرعة الفائقة في تنفيذ الأوامر الربانية، والكيف مجهول، وتكييف الغيبيات بمقاييس المحسوسات مغالطة عقلية سافرة.
دفع إشكال انحصار العدد في رباع: قد يتوهم واهم أن قوله {مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} يقتضي ألا يزيد جناح الملك عن أربعة، وقد رُد على ذلك بأن العرب تستعمل هذه الألفاظ لبيان أصل التنوع في التأسيس الأولي لا لحصر الغاية؛ ولذلك نصت الآية مباشرة على قوله: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}، وثبت في الصحيح أن لجبريل ستمائة جناح، فالنص القرآني بيّن التفاوت وفتح باب الزيادة المطلقة بمشيئة الله.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
براعة الاستهلال: افتتاح السورة بالحمد لله الجامع لكمال المحامد، مقروناً بصفتين عظيمتين تدلان على الإبداع والاختراع: الفطر، والجعل.
صيغ العدل في {مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}: عدول عن ألفاظ الأعداد المفردة (اثنين، ثلاثة، أربعة) لإفادة التوزيع والترتيب والتنويع في أصناف الخلقة، فكل صنف من الملائكة مفطور على هذا المقدار الإلهي المحكم.
التذييل المقرِّر: قوله {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تذييل يقرر أن كل ما ذُكر وما لم يُذكر من بدائع الخلق خاضع لقدرته التامة، فمن قدر على فطر الأكوان وخلق الملائكة على تلك الصور الهائلة، لا يعجزه إعادة بعث الإنسان من رميم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار عظمة الله وهيبته: حين يتأمل المؤمن خلقة ملك واحد من جند الله له ستمائة جناح يسد الأفق، تصغر في عينه قوى الأرض وجبابرتها، ويمتلئ قلبه إجلالاً للخالق القدير الذي خلق هؤلاء الملائكة وأمرهم بالخضوع والسجود لأمره.
اليقين بالتدبير الإلهي المستمر: قوله {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} يفتح في قلب المؤمن باب الرجاء؛ فالله تعالى قادر على أن يزيدك علماً، وفهماً، وقوة، وبصيرة، ورزقاً، وهداية، فلا تقف عند حدود إمكاناتك البشرية بل علق رجاءك بمفيض الزيادات ومبدع الخلائق.
الدافع العملي لحمد الله: استشعار أن ابتداء النعم كان محض فضل من فاطر الوجود، يقتضي دوام اللهج بالحمد باللسان، والامتثال بالأركان، وتخصيص العبودية لله وحده لا شريك له.