وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ
وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ
ينتقل السياق إلى طائفة ثالثة من المكذبين: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة الحاقة، أن «المؤتفكات» هي قرى قوم لوط التي ائتفكت بأهلها، أي انقلبت بهم فجُعل عاليها سافلها؛ وأن «الخاطئة» هي الفعلة الخاطئة، أي المعصية العظيمة والشرك بالله. وذكر أن في {وَمَن قَبْلَهُ} قراءتين معروفتين عند القراء: قراءة على معنى الأمم التي سبقت فرعون في الزمن، وقُرئ بما يفيد من كان معه ومن جهته من أتباعه وجنوده؛ والمعنيان صحيحان لا تعارض بينهما. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد الأمم المكذبة قبل فرعون ومعه، وأن «الخاطئة» هي التكذيب والكفر. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية التاسعة، أن «الخاطئة» مصدر كالعافية، وأن التعبير بالمجيء بها تصوير لحملهم إياها ومباشرتهم لها كأنها شيء أتوا به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بعد أن فُصّل أمر أمتين بأسلوب «أمّا»، جُمعت هنا بقية المكذبين في آية واحدة معطوفة بالواو؛ وهذا من حسن التصرف في النظم: تفصيل لما هو أشهر عند العرب وأقرب إلى ديارهم، وإجمال لما هو أبعد. ومن دقة الترتيب أن ذُكرت العقوبة السماوية في ثمود وعاد من صيحة وريح، ثم يأتي في الآية بعدها ذكر الأخذ العام {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} ليشمل الغرق والخسف؛ فتنوعت أدوات العقوبة لتشمل أصناف العذاب من السماء والأرض والماء. وهذا يمهّد لمشهد النجاة في الآية الحادية عشرة، إذ لما ذُكر الغرق ناسب أن يُذكر من نجا في السفينة.